تخاصم الموضة

إيزابيللا كاميرا



إذا كان لا يزال هناك محرمات في المجتمع الغربي الحديث الذي يتسامح في كل شيء ويسمح به، فإنما هو الخجل. أن تكون خجولاً اليوم فأنت تُعتَبر من المرضى، بعد أن أصبح الخجل شيئاً يتحتم الشفاء منه بأقصى سرعة ممكنة، لأن كل جانب من جوانب الحياة اليومية أصبح تحت سيطرة الطب، والتشخيص، ومن ثم العلاج، ربما بفضل قرص دواء إعجازي.

المشكلة هي أنه في كثير من الأحيان لا توجد حقاً «مشكلة»، فالخجل هو ببساطة أسلوب حياة، مظهر من مظاهر الطابع الفردي، ولكنه يوصم بقسوة في الحياة اليومية التي تحكم على أي اختلاف وعلى كل اختلاف بأنه قيد من القيود.

يكفي أن تُجري بحثاً بسيطاً على محرك البحث جوجل: اكتب كلمة خجل بأي لغة (باللغة الإنجليزية أوالإيطالية أوالفرنسية أوالعربية) سوف تتعلق معظم النتائج بسبل محاربته والتغلب عليه، وتبدأ بالمواقع التهويلية التي تتحدث معظمها عن الرُّهاب الاجتماعي، إلى مواقع أخرى، أكثر براجماتية، تنشر إعلانات عن «عيادة الخجل».

في الواقع، وفي مجتمع يقوم على المظهرية، يصبح الخجل بالتأكيد غير عصري ولا يساير الموضة. لا تفعل برامجنا التليفزيونية سوى أنها تدعو الجميع، وليس فقط أولئك الذين يعيشون في عالم الاستعراض والشهرة، ولكن أي شخص يريد أن يتمتع بما يسمى «ربع ساعة من الشهرة»، لأن يعرض أمام الملايين من المشاهدين الجوانب الأكثر حميمية من حياته الخاصة، فيما يشبه الاحتفاء المتواصل بالذات، في تكريس لشعار هاجسي مكرر هو «أنا نفسي».

في المجتمع الغربي الآن أصبح الشعور بالحياء والخجل مما ينتمي إلى الماضي، بينما يطرح كل الناس كل شيء على الملأ، حتى أكثر الأمور تفاهة وأقلها نفعاً. وإذا كان هذا أكثر وضوحاً فيما يتعلق بنفايات التليفزيون غير المرغوب فيها، فينبغي عدم إغفال ما يحدث على شبكات التواصل الاجتماعي لنصف سكان العالم، حيث الرغبة العارمة في التواصل تسقط كل الحدود بين العام والخاص، وحيث يشعر الجميع بالحاجة إلى التوصيل الجماعي لأفكارهم وعاداتهم ومثالبهم وفضائلهم، لمجرد أن يشعروا بأنهم أبطال المشهد الخاص بعالمهم (الافتراضي وغير الافتراضي) أو ببساطة حتى لا يشعروا بالوحدة. بينما الشعور بالوحدة- كما كتب الفيلسوف الأميركي والدو إمرسون، الأب المعنوي لقوانين الخصوصية الحديثة- إنما هو مصدر من مصادر الحرية، إذا تمَّ تمَّ اختياره ولم يتمّ فرضه. الخجول، كما نعلم، من الصعب عليه التفاعل مع الآخرين، ولكنه بالتأكيد لديه مشاكل أقل عند التعامل مع الشعور بالوحدة. وفي وحدته هذه يستطيع أن يطور إبداعاته.

وغالباً ما لا يعتبر، في الواقع، سبباً من أسباب الخجل الشعور بالحياء، والرغبة في الخصوصية، لكنه قد ينطوي على عمق الفكر والجدية ورباطة الجأش التي ينبغي تشجيعها بدلاً من محاربتها.

وعلاوة على ذلك، ليس من قبيل الصدفة أن العديد من عباقرة الأدب، والعلوم، والموسيقى في الماضي كانوا من الخجولين، بل الخجولين جداً، ولكنهم مع ذلك نجحوا في الحديث إلى العالم بدون حواجز ولا وسائط، وإنما اعتماداً فقط على فنهم وعلى كفاءاتهم.

أما اليوم، لا سيما في الغرب المحموم بالحركة، والذي تغلب عليه شهوة الظهور والنجاح، فيبدو أن هذا الأمر أصبح أكثر صعوبة. وفي المقابل، تبدو المجتمعات الشرقية أكثر حرصاً على التمسك بالخصوصية، ويمكنك أن تراها من الوهلة الأولى من مظهر الملابس الأكثر بساطة، وكذلك فضيلة الحياء والتمسك بالأخلاقيات التي يبدو أن الغرب قد نسيها.

ولكن على الرغم من ذلك، هناك أيضاً بعض الاستثناءات الإيجابية لدينا، فنحن قد اعتدنا أن نعرف كل شيء عن شخص المغني، الممثل، لاعب كرة القدم، السياسي، ولهذا قد يبدو سابحاً ضد التيار أي مغنٍّ لا يكثر من الأحاديث الصحافية، أو يريد أن يتحدث بموسيقاه فقط وليس بالكلمات.

ذهبت مؤخراً إلى حفل لموسيقي إيطالي شاب كنت أعرفه فقط بالسمعة، ولكنني لم أكن قد حضرت له حفلاً. وقد تأثرت بشدة بهذه الشخصية إذ أدهشني بكونه غير قادر على التحدث على الإطلاق بسبب خجله وإنطوائه على نفسه. كان يرد على أسئلة المذيعين أو الصحافيين بكلمات مقتضبة، وبصعوبة، وظهر إحساسه بالحرج واضحاً حتى أمام الجمهور الذي التفَّحوله بدافع الفضول. لم يكن ينظر إلى الصالة أبداً، حتى لا يهاجمه الخوف والكرب، بل يبقي عينيه مغمضتين، ويركز في عالمه الداخلي، وما إن يجلس على البيانو حتى ينسى الخجل، وينطلق في العزف مبتسماً راضياً، وينجح، بفضل مزيج من موسيقى الجاز والبوب، في التواصل مع الجمهور مانحاً إياه موسيقى وطاقة نقية.

ولكن أروع شيء أن هذه الشخصية قد حققت نجاحاً كبيراً، على مستوى النقاد وعلى مستوى الجمهور. فهل يعني هذا أنه في هذا المجتمع العدواني بهذه الدرجة لا يزال هناك مكان لخجول؟ من المؤكد أن الصور النمطية الشائعة، المبتذلة، لا تنطبق بالضرورة مع أي شخص، وفي أي مكان في العالم.