غشَ البنات

هدى بركات

لم يكن ذلك التورّد الخفيف في أعلى الوجنتين مستحبّاً فقط. كان من ضروريات «عدّة» الأنوثة. تلك التي تُحيل إلى عذريّة الفتاة فتكون إشارة أكيدة إن لم تكن دليلاً قاطعاً. الزهريّ قبل أحمر الدمّ..

كانت أمّ العروس تدعك وجنتي ابنتها قبل أن تُرسلها إلى مقابلة أمّ العريس المأمول. وكان الشعراء والزجّالون يبرعون في وصف الوجنات المتدرّجة ألوانها من التفاح إلى الورد إلى لون الشفق في محيّا الحبيبة المتمنّعة، المحصّنة وصعبة المنال. وكان لدى عمّتي الكبرى، بكر أخواتها وإخوتها، سجلّ حافل من الذكريات البهيجة المتعلّقة بفتنة خدّيها، خدّاها فقط لا كامل وجهها، إذ كانت عمّتي تعرف، لا بدّ، مقدار جمالها القليل. كانت تعود مراراً إلى رواية الأفخاخ التي نُصبت لها لمعرفة ما إذا كانت حمرة خدّيها طبيعيّة أم هي بفعل التلوين الاصطناعي، ذلك الذي بات يصل بكثرة إلى قريتنا من الساحل على شكل أصابع رخيصة الثمن، حتّى بات غشّ البنات مستشرياً فضاعت المقاييس بعد ارتباك المعاينات... وكانت تعود وتروي كيف كان الشبّان من أصحاب أخ الخوري الذي سيصبح زوجها يأتون إلى بيت العائلة باكراً جداً، متذرّعين باصطحاب أخيها، رفيقهم وأبي في ما بعد، إلى الصّيد بهدف رؤية الخدّين الشهيرين على طبيعتهما وقبل أيّة عملية تزوير بالألوان.

كنت، صغيرةً، أشكّ في أن تكون وجنتا عمّتي قد شكّلتا لوحدهما ذلك الثقل في جهاز عرسها وما خرجت به من بيت أهلها، أو، لوحدهما، مفتاح قلب الحبيب الذي تزوّجته وبقيت على غرام كبير به حتى مماتها. كنت أصدّق رواياتها وأنا أستمع إليها، لكنّي كنت، حالما تنتهي الحكاية أروح أشكّك بحيثيات ماضي البنت الذي كانت عمّتي تفخر به. لم أكن أجد أيّ أثر للاحمرار الفريد الذي كانت تتكلّم عنه. كما أني كنت أتساءل عن كيفيّة اختفاء ذلك الخجل الذي بدا وكأنّه وقع منها وضاع إلى غير رجعة، حتى تتذكّره بكلّ هذا الحنين..

لكن عمّتي لم تكن حالة استثنائية. هذا ما أدركتُه في ما بعد.

فالنساء في قريتي قويّات جداً، و«مطلوب» منهنّ أن يكنّ كذلك. أن يذدن عن الدار، عن الأرض وعن العرض. وأن يحملن السلاح إن كانت هناك حاجة، وإلا فالزّغردة وراء المقاتلين وحفظ نقاوة السلالة وراء الأسوار..

هكذا تنتقل الفتاة إلى المرأة المتزوّجة. كأنّها تتبدّل غداة ليلة العرس. تودّع خجل الأنوثة، تضحك بالصوت العالي دون أن تضع يدها على فمها ولا يزجرها أحد. غداة ليلة العرس تودّع المرأة خجلها وكأنه صار ممنوعاً عليها، وتدخل إلى قانون القبيلة راضية مرضية..

عمّتي، كما النساء الأخريات كنّ، ولو لم يحضرن الاجتماعات ذات الطابع المصيري، يُنصتن من وراء الأبواب والجدران ويُدلين بآرائهن. لكنّ «الآراء» ممنوعة وعصيّة على الفتيات. الخجل إيّاه يمنع الآراء، ومن مقوّماته الصمت. الصمت وعدم إعلاء النظر. الإطراق في الأرض والامتثال...

لذلك، حين أتتنا ابنة زعيم الناحية الأخرى تُوَلْوِل في السّاحة طالبة قرع أجراس الكنائس وحشد الرجال والسلاح انتقاماً لمقتل أبيها على يد «العدوّ»، انبرت من قريتنا امرأة من «العيار» نفسه للردّ عليها. كان ذلك في بداية سنوات الحرب. ولمّا كان قرار قريتنا آنذاك عدم الانجرار إلى أتون المعارك القريبة، أجرت مندوبتُنا «خزّون» المفاوضات مع ابنة الزعيم... مفاوضات انتهت بطرد الأخيرة من ساحة قريتنا وردّها خائبة. تناقلت القرية بفخر كبير ولمدة طويلة فحوى هذه المفاوضات، والأهمّ كيف كانت «خزّون» مدجّجة بالسلاح من قمّة رأسها حتى أخمص قدميها، وكيف قضت بكلمة على استغاثات ابنة الزعيم القتيل قائلة: «ألا تخجلين من وقاحتك هذه؟ اذهبي وأرسلي لنا رجالك يكلّمون رجالنا، وإلا فلن تلقي من يردّ عليك سوى نساء!». هكذا خطّت «خزّون» أسطرها المجيدة، حيث النساء هن لواء العرف المرفوع بأنفة، وحيث المرأة هي سيف رجال القبيلة الضارب...

•••

تنتقل الفتاة حين تتزوّج إلى الحيّز الرجّالي وتتبنّى أعرافه وقوانينه، بل وتُزايد في إعلائها. تُساند قصاص القبيلة في قضايا الشرف الدامية، إن لم تتوكّل بها... تصبح المرأة الخجولة كالرجل الخجول، في مثل إعاقة الرجل الخجول، وفي مثل موقعه من النبذ والعزل، غرضاً للتهكّم ومدعاة للعار الاجتماعي.

لا مكان لامرأة تخجل، لرجل يخجل. رجل تحمرّ وجنتاه هو رجل كالفتيات العذراوات لا كالنساء. لا ينفع ولا تتّكل عليه في المهمّات الصعبة. رجل يخجل مهما كان السبب، أكان في حضرة المعشوقة، أكان من عيب أو من خطأ ارتكبه، هو في كلّ الأحوال رجل ضعيف، كرجل قد يعتذر، أو قد يتراجع، فيكون خطراً كالحلقة الضعيفة التي تهدّد عقد الجماعة وتماسك بنيتها...

هكذا ستعلّمنا الحرب، الحروب، كيف سيتبارى نساؤنا مع الرجال في إطلاق صياح الدّيَكة المتصارعة، وفي رفع آخر أوشحة الخجل، كلّ أنواع الخجل، عن الوجوه وعن الوجنات.. التي كانت ورديّة.