كنت قليل الحياء

ستفانو بيني



أنا خجول، خجول جداً. ولكني لست خجولاً مثل أولئك الذين يقال عنهم... إن خجلهم فاق الحدود.. فأنا خجول من نوع خاص.. يؤسفني أن أقول هذا، ولكن خجلي يمنعني من أن أقول لكم كيف أنه خاص جداً هذا الخجل.. ولهذا فإنني بكل خجل أود أن أحكي لكم... ولكن ربما كان من الأفضل ألا أحكي.. لا.. ربما الأفضل لا.. ولكنني ينبغي أن أتغلب على خجلي وأحكي لكم.. حدث أنه... في الشهر الماضي ذات صباح شمسه خجول.. كنت أسير كما اعتدت في الحديقة.. ولكنني لا أستطيع أن أقول لكم أية حديقة هي.. خجلي يمنعني.. ربما تعرفون جيداً ويمكنكم أن تعرفوا بأنني أيضاً خجول ولا أحب أن أعطي أسراري لأحد، سوف أخبركم فقط عن عمري.. يوم العش... لا.. لا أستطيع.. أنا شاب خجول.. حسناً كنت في ذلك المنتزه المليء بالأشجار، وبالقطع لن أقول أي نوع من الأشجار كانت... فقد كنت أمشي وعيناي منخفضتان بالطبع.. لأنني... لا أحب.. بل لا أستطيع أن أرفع عيني إلى عيون الناس لأنني خجول.. حسناً، كنت أرى وأنا أمشي أحذية أو أقداماً أو سيقاناً أو سمانة السيقان أو براز كلاب أو أوراق.. ولكنني في بعض الأيام أكون أقل خجلاً من المعتاد، فكنت أرفع رأسي لأعلى لأرى.. أحس بالعار من قول ذلك.. ولكن... كنت أرى الركب والخصور والجذوع والوجوه... بعضها قبيح وبعضها جميل لآنسات، ولأنني بالطبع خجول لن أعرفهن أبداً... ولكن في ذلك الصباح ذي الشمس الخجول لذلك... لا أعرف ما إذا ما كان يجب أن أقول.. ولكنني سوف أقول.. لذلك الربيع، كنت قليل الحياء ويجب أن أعترف بذلك.. كنت أحس بأنني أقل خجلاً من المعتاد.. ولكن لأنني خجول لم أجرؤ أن أعترف لنفسي بأنني كنت أقل خجلاً من حالتي الخجول العادية، وعندئذ كنت أمشي في المتنزّه.. ومع الأشجار وكثير من الأحذية والسيقان وبراز الكلاب والأوراق. أرفع وجهي لا أدري لماذا وفجأة... أراها... شقراء قصيرة الشعر بنظارتين ضخمتين لقصر النظر تقف في وسط الطريق، وفيما يشبه الصاعقة أفهمها وأتعرف عليها... كان لها وجه خجول وتعبير خجول، وعينان منخفضتان. واليدان خلف الظهر... وطريقة الترنح حول ساق واحدة، والرأس منحنية كأنها مطوية تحت جناح... إنها امرأة خجول مثلي وربما أكثر مني.. وعلى استحياء أفكر...أفكر بأنني ربما أستطيع أن أقترب منها، ولكنني أخجل من هذا ومن ثم أغير طريقي لكي أتحاشاها... بيد أنني عندما مشيت غاض البصر. ها أنا ذا أرى أمامي.. أي أمام حذائي، أرى... حذاء وردي اللون.. لأنها هي الأخرى لكونها خجولاً قد غيرت طريقها حتى لا تلتقي بي.. وقد غيرته في عكس الاتجاه الذي كنت أمشي فيه أنا، ولما انحرفت أنا وانحرفت هي تقاربت المسافة بيننا إلى نحو ثلاثين سنتيمتراً.. وأرى حذاءها الوردي الذي يسمى حذاء الباليرينا - على ما أعتقد - وأرى.. قصبة ساقها النحيفة، وأرى... ظلها الجميل الفاتن النحيف، وأفهم أنني لو تجرأت على رفع عيني... ربما أستطيع أن أرى وجهها.. وجهها هي.. المرأة الأكثر خجلاً مني... وأننا قد نصبح أقرب ما يكون كل منا للآخر، والعينان في العينين.. خطوة ولكن... يمنعني الخجل من أدائها فنظل على هذه الحال.. بضع لحظات.. نصف ساعة.. ساعة.. ربما أكثر... يهبط الظلام فيتبخر ظلها. وأخشى أن يكون ظلي هو الآخر قد تبخر...

أنظر أنا بخجل إلى حذائها... وأعتقد أنها تنظر إلى حذائي، وسقطت على الأرض فيما بيننا ملعقة من الجيلاتي... تهم هي بأداء خطوة صغيرة إلى الجانب فيدور بخلدي أنها ربما سوف تمضي لحال سبيلها... ولكنها تبقى هناك.. أفهم حينئذ أنها أكثر خجلاً من أن تستطيع أن تنصرف... ولكن مرت ربما ساعتان أو ثلاث ساعات، وأصبح المتنزَّه على وشك الإغلاق، فقد حل الظلام، ولكن الضوء يكفي لكي أرفع بصري وأراها و... بعد وقت طويل ونحن ربما نتواجه... أصبحنا أليفين... لا، الألفة ربما كان فيها مبالغة.. لنقل أننا قد أصبحنا معارف على استحياء.. كان بإمكاننا أن نقول شيئاً من قبيل «لو سمحت دعني أمر» أو «آه.. الناس تلقي بملاعق الجيلاتي في الطريق بهذا الشكل بدلاً من أن ترميها في سلة المهملات»... أو قد أبالغ فأقول: «يعجبني حذاؤك.. فهل يعجبك حذائي؟ أنا عندي واحد وأربعون عاماً، وربما حضرت أقل من ذلك.. ليس في هذا انتقاد.. فجميع الأقدام لها حق التقدير وخاصة أقدام الخجولين».. ولكنني لا أفلح في رفع بصري، ليس لأنني خائف من خيبة الأمل لأنني كنت قد رأيت وجهها في تلك اللحظة قبل ساعات عديدة وهي فتاة جميلة خجول.. وذراعها.. جميل ذراعها... وردي. وفيها شيء من النمش وأنا واثق أنها.. لقد رأيت ذراعاً واحداً فقط، ولكن من المؤكد أن لديها ذراعان.. لأننا- الخجولين- مثلكم تماماً.. لدينا أعضاء كاملة.. قدمان وكاحلان وذراعان وقلب، وعندئذ أعلق أنفاسي.. وأنجح.. أرفع بصري... و... لن تصدقوا.. شيء غير متوقع، لا يخطر على الخيال... معجزة... شيء لم أتوقعه، شيء يغير حياتي كلها ويجعلني أفهم أن كل شيء حتى تلك اللحظة كان مجرد خواء متتابع ولحظات خاوية متصلة لا طائل من ورائها تسبق هذه اللحظة، بالمختصر أرفع وجهي وهي... ولكنني أشد خجلاً من أن أقول لكم ماذا حدث... اعذروني.. ليس هذه المرة... ربما المرة القادمة، أعدكم.. الويل.. أنا خجول.. سامحوني.. لديكم جميعاً أحذية جميلة جداً... وداعاً.