الحبيب الأول

عبد الفتاح كيليطو



أستاذة فرنسية تهتم بالأدب العربي وتقرأه «في النص»، سألتني ذات يوم عن ثلاثة شعراء يرد ذكرهم كثيراً في كتب النقد القديم. لم تستطع أن تحدد من هم لأنها لم تعثر على أسمائهم في تواريخ الأدب العربي التي اطلعت عليها، أو كانت في متناولها. الشاعر الأول هو أبو الطيب. من هو أبو الطيب؟ قلت لها بشيء من الخجل إنه المتنبي. فوجئت بجوابي وبدا عليها شعور بالخيبة: أهذا كل ما في الأمر؟ ثم أردفت: ومن هو أبو عبادة؟ لم أكن أعرف من هو، فأحسست بالانشراح لأنني صرت حينئذ في مستواها. لكنها أضافت: ومن هو أبيب؟ فهمت بعد لحظة أنها تقصد حبيب، فكرت قليلاً ثم قلت لها وقد عاودني الخجل إنه أبو تمام. اندهشت مرة أخرى وكادت تقول شيئاً ثم توقفت؛ لا يخامرني شك فيما كان يدور بخلدها: لم هذا اللف والدوران؟ أيعقل أن يقول ناقد فرنسي: شارل، أو ستيفان، أو أرثور، وهو يقصد بودلير، ومالارمي، ورامبو؟

لم أستظهر مع الأسف الشديد إلا النزر القليل من الشعر، أي ما تعلمته في المدرسة. وأعتقد أن الظاهرة عامة، فلا نحفظ عادة إلا أبياتاً قليلة لهذا الشاعر أو ذاك، أبياتاً رائجة، سائرة وشائعة، تختزل قـدر الشاعر وتحدد صورته في الدنيا؛ بل وحتى في الآخرة، إذا ما اعتمدنا على ما ورد في «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري عن مصير الشعراء بعد البعث والنشور. حياة من القريض ولا يطفو منها على السطح إلا بيت واحد أو بيتين...

حفظنا في المدرسة قصيدة فتح عمورية. قصيدة حماسية، ولعل ما حدا بمعلمينا إلى إدراجها في المقرر أنها تصف انتصارنا على «الآخر». ثم نسيتها مع المدة، ولم يبق في ذاكرتي منها إلا البيت الأول.

السيف أصدق إنباءً من الكتب

في حَدِّه الحدّ بين الجدّ واللعب

شاءت الصدف فيما بعد أن أقرأ «الموازنة بين الطائيين» للآمدي (وبالمناسبة فأبو عبادة هو البحتري)، كما اطلعت على «أسرار البلاغة» للجرجاني، وفيه عثرت، ضمن حديثه عن التمثيل، على بيتيْ أبي تمام:

نَقِّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحـنينه أبـداً لأول مـنزل

كثيراً ما ذكرت هذين البيتين في كتاباتي. جعلت منهما في بعض المناسبات رمزاً للترجمة، لتنقل نصاً ما من لغة إلى لغة، وشعاراً لحنينه للغة الأصلية. وفي كل مرة كان ينتابني شعور مبهم بأن البيتين يشيران إلى دلالة تأبى إلا أن تفلت مني.

لنحاول الاقتراب منها. يُنَقِّل الفتى قلبه من حبيب إلى حبيب، ويرحل من منزل إلى منزل. ديدنه التقلُّب في الأرض وفي الهوى، لكنه يظل مرتبطاً بالحبيب الأول وبالمنزل الأول. مسافة شاسعة تفصله عنهما، في الفضاء وفي الزمن. انتهى أمر الحبيب الأول، كما انتهى أمر المنزل الأول، ولا رجاء للعودة والإياب، بل ربما ليست لدى الفتى رغبة واضحة في الرجوع إلى الحبيب الأول والمنزل الأول. العودة، على كل حال، مستحيلة، وفي تعذُّرها يكمن سرّ حنينه الجارف إلى الماضي.

ألهذا المعنى ذهب أبو تمام؟ كيف لي أن أتأكد من ذلك؟ هذا في حالة ما إذا افترضنا أن مسألة التأكُّد واردة هنا، وهو شيء لا أومن به؛ فهل حقاً أتوق إلى جواب نهائي يزيح اللبس ويثلج الصدر؟ أليس عدم اليقين هو ما يضفي على بيتَيْ أبي تمام رونقهما وبهاءهما؟

ماذا بقى لي وقد يئست من العثور على معنى قطعي جازم؟ أن أتنقل بين المعاني كما يتنقل الفتى في مسلسل الأحباب والديار. مع فارق مهم: لا يوجد معنى أول أهفو اليه وأحنّ. تظل شتى الاحتمالات بالنسبة لي واردة، وإن كان لا بد من أن يدركني بعض الحنين، فليس إلى ماضي المعنى، وإنما إلى مستقبله، إلى ما قد يأتي أو لا يأتي. وفي فلتة من فلتات الدهر فد تظهر المفاجأة، أو ما قد يبدو لي مفاجأة.

ترى من هو الحبيب الأول؟ أهي الأم، ربة البيت والمنزل، المنبع الحق؟ ربما، لكن تفكيري يأخذ وجهة أخرى. فمن يدري، لعل أبا تمام لم يقصد الأم في شعره، وإنما قصد نفسه. أليس اسمه (حبيب)؟ كيف نسيت اسمه الذي أذهل الأستاذة الفرنسية؟ أليس اسمه ومسماه موضوع شغفه الأول وموضوع شعره؟ ألا تبدو النرجسية والحالة هذه أصلاً للحب والهيام، أصلاً للشعر؟

الأصل أسطورة، أليس كذلك؟ والأوائل أسطورة الأساطير. لنفكر لحظة، ولنتساءل مرة أخرى: إلى أي حبيب أول، إلى أي منزل أول يومئ أبو تمام وهو يصوغ بيتيه؟ أيشير الى الأولية بإطلاق، إلى أول مَنْ جَمَعَ بين الحبيب والمنزل، إلى امرئ القيس، صاحب البيت الأول، والمعلقة الأولى، معدن الشعر وأصله؟:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل