عصر الأفلام الوثائقية

مرزوق بشير بن مرزوق



هناك دلائل عديدة على عودة أهمية الأفلام الوثائقية، وربما أكثرها دلالة وبرهاناً، هو انطلاق عصر وسائل الاتصال الاجتماعي وميدانها شبكة الإنترنت العالمية، وواجهتها الفيسبوك، والتويتر، والمدوّنات، وغرف المناقشات، وغيرها من الواجهات التي توفرها الشبكة، وبالتأكيد إن الـ (يوتيوب) سوف يمثل الميدان الرئيسي للأفلام الوثائقية في المستقبل القريب.

من جهة أخرى وفرت تكنولوجيا التصوير العالية الجودة والمدمجة في كثير من أجهزة التواصل المحمولة، والتي تمتاز بجودة أداء ما يفوق عشرات أضعاف الأفلام الرئيسية التي كانت تنتجها استوديوهات الأفلام العالمية في منتصف القرن الماضي، مما سيساهم في إنتاج أفلام عالية الجودة بأقل التكاليف.

كما توفر التقنية، بالإضافة إلى وسائل النقل والتصوير، مواد مساندة لإنتاج أفلام فردية خاصة، مثل أدوات المونتاج، وفَلاتر الصور، والمؤثرات البصرية والسمعية ومعظم تلك المواد متاحة مجاناً للجميع أو بأسعار متدنية سَهَّلت اقتناءها، وأكثر من ذلك توفر الكاميرات التي تتميز بصغر حجمها وسهولة نقلها، عدسات عالية الجودة والوضوح مثل تقنية ما يسمى (HD).

كل ذلك سيوفر فرصة احترافية لإنتاج أفلام وثائقية وتسجيلية، يديرها فرد واحد أو نفر قليل من الأفراد بأقل الإمكانات وأرخصها ودون الحاجة إلى استوديوهات ضخمة، أو فريق فني كبير. وفي دولة قطر اشتكى أصحاب استوديوهات تصوير المناسبات الخاصة والعامة من عدم الإقبال على الاستعانة بخدماتهم، ويكتفي الأفراد بكاميرات محمولة أو حتى تلك المدمجة بالهواتف وبالألواح المنقولة مثل (الآيباد) التي تعمل على إنتاج صور للمناسبات عالية الجودة وأفلام محترفة.

قد لا يتمكن الأفراد في هذه الرحلة من تطور نظم الاتصال والإعلام الاجتماعي من إنتاج أعمال درامية ضخمة، لكنهم قادرون على إنتاج سلاسل من الأفلام الوثائقية القصيرة والطويلة، وأن يتناولوا أحداثاً حاضرة وحيوية بتصويرها وتسجيلها وبثّها فوراً من منافذ مواقع التواصل الاجتماعي، بل هؤلاء الأفراد قادرون على الوصول إلى وقائع الأحداث بشكل أسرع من مؤسسات الاتصال الجماهيري التقليدية، وبثها، وهم قادرون أيضاً على متابعتها وتحديثها مع سير تطور الواقعة، وقد أدى ذلك إلى أن العديد من محطات التليفزيون تمنح فرصة بث تلك الأفلام والتعاون مع أولئك الأفراد بشكل مباشر.

بينما تلك الدلائل تؤكد على أهمية الفيلم الوثائقي، ودوره المؤثر في المستقبل المنظور، نرى من جانب آخر إهمال المؤسسات الأكاديمية، ومعاهد الأفلام بالتركيز على تدريس صناعة الفيلم الوثائقي وأساليب إعداده وكتابته وإنتاجه، علماً بأن تدريس الفيلم الوثائقي هو مقدمة إلى دراسة وصناعة الأفلام الدرامية المتنوعة.

لقد لاحظت من مشاركاتي وحضوري للعديد من مسابقات الأفلام الوثائقية، بعدم تفريق معدّيها ومنتجيها بين الحدود الفاصلة بينها وبين التقرير التليفزيوني أو التحقيقات الإخبارية، فالفيلم الوثائقي له خصوصيته التي تعتمد على فكرة أو قضية محددة، وكيفية معالجة هذه الفكرة وتطويرها بحيث يتم تناولها بطريقة إبداعية، وتثير عند عرضها الجدل والنقاش والتساؤلات.

والفيلم الوثائقي باختصار هو إبداع للواقع الذي يتناوله الفيلم، وهو فيلم يجمع بين النقل الواقعي للحدث وبين خصائص الدراما الإنسانية التي تعتمد على التشويق والتعاطف واتخاذ موقف من الواقعة.

وختاماً يجب التنويه بأنه سوف يأتي اليوم الذي سينتج فيه كل فرد منا فيلمه الوثائقي دون قيد أو شرط أو استئذان من الرقيب.