حوار حضارات تحت التهديد بالسلاح!

طالب الرفاعي





كان الوقت عصراً، من يوم الأربعاء الموافق 24 من شهر إبريل الفائت، حين وجدت بين المنتظرين في مطار مدينة «إنشون» الكورية الجنوبية، شاباً باسماً يقف حاملاً لافتة مكتوباً عليها اسمي باللغة الإنجليزية، وشعار ملتقى أدباء آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية- (4TH INCHEON ASIA AFRICA LATIN AMERICA LITERATURE 4FORUM-AALA)

بأدب جمّ أجلسني على مقاعد الانتظار وأفهمني بأنه ينتظر وصول ضيف آخر للملتقى، وما هي إلا دقائق حتى رأيت الصديقة القاصة والروائية المصرية سلوى بكر مقبلة، وكان أن شاركتني بحكاياها الطازحة عما يجري في مصر العزيزة رحلة الوصول إلى فندق الملتقى.

سبق وصولنا إلى كوريا الجنوبية تهديدات كوريا الشمالية التي كانت تملأ نشرات الأخبار في الفضائيات التليفزيونية، مما خلق شيئاً من التردد في نفسي، لذا حاولت النظر من نافذة السيارة «الهونداي» عَلَّني أشاهد أي إشارة تدل على تأهُّب أو استعداد البلد للدخول في حالة حرب، لكن شوارع مدينة «إنشون»، كانت غاية في النظافة، وكذلك احترام قواعد المرور، وبشاشة وجوه العابرين للطريق. وما إن وصلنا إلى الفندق حتى قابلنا مسؤول الملتقى الدكتور «جو يونغ- JAE YONG»، بابتسامته العريضة وترحيبه الحار.

انعقدت جلسات الملتقى تحت عنوان أساسي هو «العولمة من خلال حوار الحضارات» وقد حضر الملتقى ثمانية أدباء من آسيا، وأربعة من إفريقيا، وثلاثة من أميركا اللاتينية، وتسعة أدباء من كوريا، بالإضافة إلى عدد كبير من الصحافيين والإعلاميين الكوريين. وأول ما أثير في جلسة الافتتاح هو تأكيد مدير الملتقى بأن الحياة في مدينة إنشون وفي «سيؤل» وجميع مدن كوريا الجنوبية هي حياة طبيعية، وأن تهديدات الجارة كوريا الشمالية لا تزيد عن زوبعة في فنجان، وأنهم تعوَّدوا على ذلك.

تعرّض الملتقى للعديد من القضايا الأدبية التي تشغل بال الأديب أينما كان، في عالم بات بحق قرية كونية صغيرة. ومما أثاره الروائي الهندي «ماكاراند بارانجاب-MAKARAND PARANJAPE»، أنه، وسط جمع الحضور والمستمعين خاصة من طلبة الجامعة والدراسات العليا، فإنه لا يرى فرقاً كبيراً بين طبيعة الأسئلة المثارة، مما يؤكد على أن العولمة الثقافية استطاعت أن تكون زاداً بشرياً لعموم البشر متخطية كل الحدود، وأنها باتت تشكل وعياً جمعياً يلتف من حوله الإنسان دون النظر إلى بيئته ومكانه.

وركز الكاتب النيجري الأصل «كول أوموتوسو-KOLE OMOTOSO» على أن العولمة إذ تتخطى الحدود الجغرافية فإنها في نهاية الأمر حاملة لمقاصد مرسلها، وبالتالي حريصة على التبشير بأفكاره ومراعية لمصالحه وأن بحثاً متأنياً سيظهر أن المصلحة الخاصة للدول العظمى تكمن وراء كل سياقات العولمة الثقافية المطروحة حالياً على الساحة العالمية. ولقد شاركته الرأي الكاتبة المصرية سلوى بكر، والتي استضافها الملتقى في حديث خاص عن كتبها وعلاقتها بالتاريخ، مثلما استضاف الملتقى الكاتب التونسي الحبيب السالمي في شهادة عن تجربته في الكتابة الروائية.

قدمت للمؤتمر بحثاً بعنوان «العولمة وحوار الحضارات» ركزت فيه على أن اعتقاد البعض بهجوم العولمة على المحلي لن يفتّ من عضد المحلي بل سيزيد من تجذُّره، وأنه بات من الصعب الفصل بين تأثير العالمي في المحلي أينما كان، وفصل المحلي عن العالمي. كما ركَّزَ صاحب مجلة «بينيبال» الكاتب صموئيل شمعون على ضرورة الانتباه لدور الترجمة الإبداعية المهم في جمع الشعوب حول مائدة الأدب المسالمة.

لقد بات، بالنسبة لي، حضور أي مؤتمر، وفي أي مكان، إنما هو وصل بالآخر: الكاتب، والمفكر، والإنسان، وأن هذا الوصل وهذه الصداقات الجديدة هي غاية ما يسعد القلب. وهي الوسيلة الأهم للتواصل مع أدباء أصدقاء باتوا ينتشرون حول العالم.