تأثير اللوتس

محمد المخزنجي



لم يكن يدري أن ولعه بنباتات الصحراء والمناطق الاستوائية سيقوده إلى اكتشافٍ تقنيٍّ تعتزّ به ألمانيا، وتعتبره أحد أفضل خمسين اختراعاً لأبنائها في الربع الأخير من القرن العشرين. وقد كانت البداية بسيطة بساطة الملاحظات الثاقبة للمحظوظين من علماء البشر، فعندما كان الدكتور «فيلهلم بارتلوتا» يغسل عينات أوراق النباتات التي يتأهب لفحصها تحت الميكروسكوب الإلكتروني، لفت انتباهه أن هناك أوراقاً تحتاج غسيلاً أقل من غيرها، بل لاحظ أن أوراق نبات اللوتس لا تحتاج غسيلاً على الإطلاق، فهي نظيفة دائماً برغم أنها بنت الوحل، وربيبة المستنقعات!

ثمة اختلاف بين علماء تصنيف النباتات كان يعرفه الدكتور فيلهلم، فبعضهم يصنف اللوتس «الهندي» بزهراته البصلية وأعناقه الطويلة وبتلات زهراته التي تشبه الملاعق كلوتسٍ حقيقي، وما عدا ذلك ليس لوتساً، سواء «اللوتس» الأزرق المصري متطاول الزهرات ذات البتلات المتطاولة، ومثله «اللوتس» الأبيض، وكذلك «لوتس» فيكتوريا الأمازوني العملاق الذي يصل قُطر زهرته إلى قدم كامل، وتُشكِّل أوراقه طافيات دائرية قطر كلٍ منها ستة أقدام، ويمكنها حمل صبي يزن أربعين كيلوجراماً يلهو على متنها، كل هذه ليست لواتس، بل زنابق ماء.

وسواء كان اللوتس لوتساً، أو زنابق ماء، فهي جميعاً تشترك في خصيصة عجيبة تتمثل في قدرة أوراقها على أن تبقى نظيفة، بل تنظف نفسها أولاً بأول، برغم كل الوحل الذي تنبثق من عمائه في قيعان البرك والبحيرات الراكدة، وبرغم عتمة الماء المُعتكر الذي تشقّه سيقانها لتخرج بأعناقها إلى النور والهواء، تطرح على سطح الركود أوراقها العريضة النقية دائماً، وتشمخ عالياً أزهارها البهية.. بيضاء ناصعة، زرقاء فاتنة، ووردية بلون الخفر الجميل. ثم إن هذه الزهور كلها تتشارك في إيقاع التفتح مع الشروق والتغلُّق عند الغروب، باستثناء زهور اللوتس الأبيض التي تتفتح في الليل وتنغلق في النهار.

زهور قصيرة العمر، تطلق عطرها مع كل تفتُّح فتجذب إلى قلبها حشرات تخصيبها، وعندما تنغلق تظل هذه الحشرات في محبسها العاطر تتلهى بارتشاف الرحيق والتهام سكريات قلب الزهرة، وتتمرغ وهي تفعل ذلك- دون أن تدري- في حبوب اللقاح. وعندما تتفتح الزهرة في الصباح التالي تنتقل الحشرة بما تحمل على جسمها من هذا الطلع، لتُخصِّب زهرة جديدة، وكل زهرة تتخصب يتغيُّر لون بتلاتها فتميل أكثر إلى الاحمرار. خمسة أيام لا أكثر ثم تتساقط بتلات الزهرة ويغدو قلبها مكشوفاً فينحني العنق، ويميل القلب ليلقي ببذوره في الماء قبل أن يجفّ ويموت ! تخترق البذور عتمة الاعتكار وتغوص في ظلمة الوحول، وتنبت منها بادرات تضرب بجذورها في الطين اللازب، تشق سيقانها عتمة الماء من جديد. ومن جديد تتسامى أوراقها الطهور وزهورها آسرة الجمال فوق القبح.

في يوم مشرق من أيام العام 1975 وضع الدكتور فيلهلم بارتلوتا شريحة من ورقة لوتس، أو زنبق ماء، تحت الميكروسكوب الإلكتروني، فأدهشه ما رآه ويكاد يكون انقلاباً على مُسلَّمة شائعة تقول «إذا كنت تريد الحفاظ على نظافة شيء فاجعل سطحه ناعماً»، لا، فهو يرى أن أوراق اللوتس التي تحتفظ بنظافتها دائماً، تفترش سطحها خشونة من نتوءات واضحة تحت الميكروسكوب فائق القدرة على التكبير، نتوءات متراصفة على سطح الورقة بمقياس نانوي، أي ما بين 1 إلى 100 نانو، حيث النانو 1 من بليون من المتر، أو 1 من المليون من الملليمتر، فهي نتوءات فائقة الصغر إذا ماقورنت بقطر الشعرة البشرية البالغ 50 ألف نانو في المتوسط، فيالها من نتوءات بالغة الدقة، تشكل خشونة بالغة الخصوصية، ويكمن فيها سر أعجوبة أوراق اللوتس، أو زنابق الماء! وهذا ليس كل شيء، فورقة النبات المقدس في كل الحضارات القديمة، إنما تتمتع بسطحين طاردين للماء: طبقة شمعية تمنع نفاذ الماء إلى نسيجها، وطبقة نانوية الخشونة تشكلها النتوءات فائقة الصغر والتي تحصر بينها نأمات من الهواء بالغة الصغر أيضاً، تجعل كل قطرة ماء صغيرة من الندى أو مياه المطر تتدحرج عليها، فتنضم القطرة الدقيقة إلى القطرة الدقيقة لتصيرا قطرة أكبر، فأكبر، وتتدحرج القطرات الكبيرة تامة التكوُّر على سطح الورقة، آخذة معها كل ما أصاب هذا السطح من غبار أو تراب أو رشاش وحل. فماذا لو جرب الدكتور بارتلوتا محاكاة هذا التركيب في منتج صناعي؟

بمزج ما استخلصه بارتلوتا من بيولوجيا ورقة اللوتس السرمدية مع تقنيات النانو الحديثة، خرجت إلى النور «ملعقة العسل» النانوية، وهي ليست أي ملعقة، فهي تغترف من وعاء العسل ما تغترفه، ولا تحتاج بعد ذلك للغسيل المُتكرِّر المزعج الذي يضيق به كل من استخدم ملعقة عادية لاغتراف العسل، فبمجرد إمالة الملعقة الجديدة المُحاكية لسطح ورقة اللوتس، تتساقط عنها قطرات ما يعلق بها من عسل، فتصير نظيفة وجافة فيما لايزيد عن ثوان قليلة!

شجَّع نجاح ابتكار «ملعقة العسل» الدكتور بارتلوتا على تسجيل براءة اختراع عام 1997 تحت اسم تجاري يحفظ حقوق ملكيته الفكرية هو «تأثير اللوتس» LOTUS-EFFECT®، وسرعان ما تلقفت الصناعات الألمانية هذا الاختراع فأنجزت دهانات لا تلتصق بها الأوساخ، ومنذ التسعينيات التي تم فيها تسجيل براءة اكتشاف «تأثير اللوتس»، والاختراعات لمواد عصيّة على التوسيخ تنهمر على الأسواق العالمية، ثيابٌ عولِج نسيجها القطني بلمسة نانوية فلا تحتاج في تنظيفها لمساحيق الغسيل، وأقماع للزيت والدهانات والخرسانة ذات سطوح نانوية التخشين لا يلصق بها ما تُمرِّره. قفازات عمل لا تبتل، وخيام تطرد عنها دافق المطر وتراب الريح، وأحذية تخوض في الوحل فلا تتلوث، ومفارش مائدة لا تعبأ بانسكاب الحساء ولا قطْر الدهون عليها.

ظاهرة مدهشة كان هناك من التقط المجاز في ثناياها، فطبَّق مفهوم «تأثير اللوتس» في العلاج النفسي الذاتي، بأن يدع الإنسان أوشاب الحياة المُحبِطة تتدحرج على سطح وعيه دون أن تغوص غائرةً في اللَّاوعي، نوع من التطهير الذاتي المُستحدَث NEO-CATHARSIS يمكن تحقيقه بوسائل متاحة، كالاسترخاء والتأمل الإيجابي، أو الالتقاء بأصدقاء العمر وتبادل البوح معهم، أو إزاحة هذه الأوشاب بقناعة أنها لاتستحق الكثير ولا القليل، فهي تنزاح بمجرد الانخراط في نشاط نفسي أو عملي إيجابي، كالتزاور والتواد، أو الترحال في عوالم خلابة أو سماع ألحان محببة. هذه كلها مياه ندى أو مطر نفسي يزيل عن النفس أكدارها أولاً بأول، فلا يعلق بالنفس ما يُكئب أو يُكرِب.

«تأثير اللوتس» قدَّمه عالم النبات الألماني فيلهلم بارتلوتا اقتراحاً تخرج من جعبته مواد بالغة الإدهاش لا تتوسخ، وإلهاماً في علاج نفسي للتخلص من الإحباطات والأكدار، وثمة من يطرح على العقول في دنيا يجتاحها التعصب والانسياق الأعمى لتبعية دعاة التعصب: اختاروا، إما أن تكونوا ورقة نشاف تتشرب باستسلام ما يرشح من صفحة أخرى كتبها ساديّ متعطِّش للتحكم في الناس وامتلاك عقولهم، أو ورقة «كلينكس» تتدنى لمسح قذارات الطغاة، أو ورقة لوتس تنظف نفسها بنفسها بإعمال العقل النقدي والتأمل والمراجعة، ورفض مباذل الانسياق وراء ساديّين كُثْر، هم سدنة كل ألوان الاستبداد البشري؟