«زينب» المخجلة!

أمجد ناصر



هذا ليس خجلاً شخصياً، فالرجل الذي وقع تحت طائلة «الخجل» كان محامياً وخطيباً وقائداً سياسياً، فلا مجال لـ«الخجل» مع شخصية لها هذه الصفات وغيرها مما لم نذكر.

«الخجل»، هنا، إن جاز التعبير، اجتماعي. فهناك صورة له لا يرغب في أن «تضار» بما يمكن اعتباره من باب الهذر والتسلية. وكي لا يبدو أنني في صدد تأليف أحجية أسارع إلى القول إن الرجل المقصود هو محمد حسين هيكل. والعمل «المخجول» منه روايته «زينب».

•••

دعونا نتذكر أن كتابة أعمال سردية قصصية لم يكن أمراً مألوفاً، عربياً، في مستهل القرن العشرين رغم وجود بعض الأعمال «الروائية» التي نُشِرت، على نحو متفرق ومتقطع، بين بيروت والقاهرة بدءاً من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، فضلاً عن ترجمة بضع روايات من القصص العالمي نُشِرت متسلسلة في المجلات أو طُبِعت في كتب في المدينتين المذكورتين. لست، هنا، في معرض التأريخ للرواية العربية الذي خيض فيه كثيراً ووزَّع الخائضون فيه تيجان الريادة على هذا البلد العربي أو ذاك، هذه الرواية أو تلك، وإنما أنا في صدد القول إن الكتابة الروائية العربية لم تكن أمراً مُسَلَّماً فيه أدبياً واجتماعياً. وذلك تمهيداً لما سيأتي لاحقاً.

لم يكن هيكل في صدد أن يشق طريقاً غير معبَّدة في الرواية العربية رغم إشارته إلى وعيه بريادة هذا العمل في المقدمة، ولكن في إطار «الأدب المصري»، إذ إن تعبير «الأدب العربي» لم يكن قد ظهر بعد، فضلاً عما نُسِب إلى هيكل من «نزعة فرعونية» تجعله منغلقاً على مداره «المصري» فيما هو منفتح، بل مولع، في الوقت نفسه، بالغرب.

فهو يقول في طبعة متأخرة من «زينب» (الطبعة الثالثة) إنه كان فخوراً بعمله هذا ومعتقداً أنه «فَتَحَ» به في «الأدب المصري» فتحاً جديداً. هذا رأيٌ، بحسب ظني، لاحقٌ على وضع العمل، فعندما نشره هيكل للمرة الأولى عام 1914 لم يُسَمِّه «رواية» بل وضع تحت اسم «زينب» عنواناً فرعياً هو التالي: مناظر وأخلاق ريفية!

فالرجل كان، تحت وطأة حنينه إلى بلاده، في صدد كتابة مشاهد وصور من الريف المصري والتنويه بأخلاق «الفلاحين» الذين كانت تنظر إليهم النخبة المصرية «المتغربة» باعتبارهم فئة أدنى اجتماعياً، لذلك مَهَرَ غلاف الرواية، باسم مستعار ذي دلالة لها علاقة: بقلم «مصري فلاح»، وليس: بقلم فلاح مصري، الأصوب لغوياً.

لكن العمل نفسه، منذ اللحظة التي تتمطَّى فيها «زينب» في فراشها بين أختها وأخيها وحتى اللحظة التي تطلب فيها من أمها أن تأتيها بمنديل «محلاوي» (منديل حبيبها إبراهيم) وتوصي أن يدفن معها، هو عمل روائي. إنه رواية من حيث القصد والبنية والهدف، ولكن هيكل لم يجد، ربما، موازياً عربياً لكلمة «رومانس» الفرنسية أو «نوفيل» الإنجليزية (اللاتينية الأصل)، فجاء ذلك العنوان الفرعي العجيب الذي يعكس جانباً من «جوّ» الرواية: مناظر وأخلاق ريفية.

لكن هيكل، في إهداء في الطبعة الثالثة، يشير إلى عمله بهذا الاسم الذي سيكون علامة على جنس أدبي عربي حديث: رواية!

•••

لم تكن لهيكل منزلة اجتماعية وسياسية ملحوظة كي «يخشى» عليها عندما نشر «زينب» باسم مستعار، فالواقع أن وقتاً قصيراً كان قد مرَّ على عودته من بعثته الدراسية في باريس وعمله في المحاماة، ومع ذلك «خجل» من نسبة «زينب» إليه.

أتساءل الآن: لو أن ما كتبه هيكل ينتمي إلى «خزانة الشعر» وليس إلى هذه الخزانة غير المسماة. بعدُ أكان «سيخجل» منه يا ترى ويمهره باسم مستعار كما فعل مع وليده الذي لم يعترف بأبوته إلا بعد خمسة عشر عاماً على ولادته؟

لا أظن. بل أكاد أجزم أنه كان سيمنحه اسمه بكل فخر واعتزاز. فهذا «أبو» فنون تلك الآونة.

إنَّه «الفن الجاد». أما هذا الضرب من القص فيليق بـ «الحكواتية».. وهؤلاء يعملون في التسلية وتزجية الوقت!

ما سلف ليس استنتاجاً لـ«خجل» هيكل من «زينب» ولا هو تأويل من قبلي، فهذا ما يقوله بنفسه: «خشيت أن تجني صفة الكاتب القصصي على اسم المحامي».

لكن ذلك «الخجل» لم يلبث أن أصبح مصدر اعتزاز لدى الكاتب الذي تقلَّب في أهم المناصب الوزارية والتشريعية والصحافية، ووضع عدداً كبيراً من الكتب التي كان هناك مثلها في زمنها، ولكن بين كلِّ كتبه ومناصبه ستظل «زينب» نسيج وحدها، لأنها «فتحٌ» في «الأدب المصري» (العربي استطراداً). وهذا ليس أمراً هيناً حتى وإن تجاوزتها الرواية العربية كثيراً، ولم تعد قادرة على مخاطبة قارىء اليوم.