حُمرة على حد أخضر

أمير تاج السر





إذا ألغينا مسألة التعريف العلمي للخجل، بوصفه مزاجاً مختلفاً عن أمزجة معظم الناس، ويحمله أشخاص معينون، وإنه الصفة التي تهز صاحبها في مواقف عادية، ليس من المفترض أن تهز أحداً، وتجعله خائفاً ومرتبكاً، ومتعرق الوجه واليدين، ويبحث في الموقف الذي أربكه بلا معنى، عن ثغرة ليفرَّ عبرها، وربما يلجأ للمعالجين النفسيين حتى يتخلص من هذه الصفة، فإننا نجد تعريفات أخرى اجتماعية، تجعله صفة دمثة مطلوبة، ونجد محاولات كثيرة من المشتغلين بالفن والجمال، خاصة الشعراء، لجعله صفة إيجابية من صفات المرأة، مكملة للصفات الجمالية الأخرى التي تستوحى دائماً، وتتكرر كثيراً في القصائد والأغنيات.

وفي مرور سريع على الأغنيات الشعبية في السودان وبلدان أخرى مشابهة في بيئتها ومعتقداتها الاجتماعية، خاصة تلك التي كتبت في زمن كانت المرأة فيه كائناً شبه مغيَّب، ولا وظيفة لها سوى الجلوس متربِّعة في القصائد التي تتغنى بحبها، وتصف مفردات متخيلة، يفترضها الشاعر، وجدت صفة الخجل قد حولت إلى صفة إيجابية، عظيمة، ومطلوبة في كل امرأة، يصادف أن يعشقها شاعر، تماماً مثل صفة عدم النضوج، التي كانت تلصق أيضاً بالمرأة، بوصفها صفة جمالية. وقد كان الشعراء يتصيدون صفة الخجل، ويتعمدون إشعالها عند النساء، كأن يفاجئ أحدهم معشوقته حين تفتح باب بيتها لتلقي نظرة على الطريق، أو تتفقد أخاها الذي يلعب مع الصبيان، ليأتي ويكتب أنه شاهد الماء والنار والزرع في خدها حين لمحته واختفت، ويعني أنه شاهد العرق وحمرة الخجل، على خد أخضر، ومعروف أن الأسمر في السودان، يسمى أخضر، وقيل إنها كلمة عربية كان يوصف بها السمر قديماً.

على أن الأشخاص الخجولين، برغم قلتهم، خاصة في زماننا هذا، إلا أنهم مميزون، ويلفتون الانتباه أكثر من غيرهم، فليس من السهل أن تنتبه كثيراً إلى شخص مندمج في مجتمعه، يتحدث بلا تقطيع للكلام، ويحاور بلا أي موانع، لكن تنتبه بكل سهولة إلى ذلك الذي يجلس صامتاً، قلقاً، يتلفت في فزع، ويمسح العرق عن وجهه بين حين وآخر، وربما تسأله عما به، ولا تجد رداً شافياً.

لقد عرفت أشخاصاً كثيرين، كانوا يحملون الخجل الاجتماعي في دمائهم، بعضهم شعراء رقيقون، وكتّاب للقصة والرواية، وبعضهم مجرد أفراد عاديين ربما أصادفهم أثناء ممارستي لعملي اليومي، وأذكر كاتباً راحلاً، كان يكتب قصصاً في غاية الجرأة، تتحدث عن الأشياء بمسمياتها، وتغوص في كل مسموح وغير مسموح، وحين تلتقيه تلتقي رجلاً مرتبكاً، متعرقاً، يخاطبك بصوت واهن، ورأسه باتجاه الأرض. لقد كان ذلك الكاتب يحمل صفته هذه في مواجهة المجتمع، لكن حين يخلو لنفسه، تندحر تلك الصفة، وتحلّ محلها شجاعة طارئة، يقتفي بها آثار الهلع الاجتماعي لديه، ويمحوها تماماً. وأذكر أيضاً أن مغنياً مرموقاً ويحمل صيتاً كبيراً، حدثني ذات يوم إنه لا يستطيع مواجهة جمهوره في أي حفل، إلا بتناول عقار مهدئ، ذلك أنه لم يستطع التخلص من خجله وارتباكه برغم مرور سنوات طويلة على احترافه الغناء، ومواجهة الناس في المسارح.

في النهاية أعتقد أن صفة الخجل سواء مدحت أم ذمت، تظل صفة لاصقة بصاحبها، لا تفارقه إلا نادراً.