كعبة المضيوم



عندما عَبَّر أمير قطر في نوفمبر من العام الماضي عن منظوره لمكانة قطر إقليمياً وعالمياً والدور الذي اضطلعت به الدولة نحو الإنسان في الداخل والخارج بَيَّنَ أن إحدى ركائز هذا المنظور هي نجدة المستجير وإيواء المحروم والمظلوم. وفي صيغة مقتضبة وجوهرية وبليغة عن أبعاد هذه الرؤية وجذورها تمثل الأمير قولاً سرعان ما تلقفته الأقلام وجرى في المجالس وهو أن قطر هي «كعبة المضيوم». والأمير في هذا وُفِّق توفيقاً تاماً: ففي هذا القول شرحٌ للكثير من سياسات الدولة نحو الآخر التي تُحَيِّر الكثيرين من الناظرين والمعلقين في الخارج. وهو في هذا لم يزد على التمسك بقيم خالصة في العروبة كما هي في الإسلام. وهو في هذا رسم شعاراً يسهل التعرف عليه والانتماء إليه. وهو في هذا، وهذا هو الأهم، إنما تَمثَّلَ قول مؤسس الدولة الشيخ جاسم وبَيَّنَ استمرارية النهج والسير على خطى:

وحن كعبة المضيوم إلى ما وزا بنا

بخيــــرة ولا نـــرضى بغيــــر ارضاه

ولنا هضبة يأمن بها من نجيره

علــــى رغــــم من ضده ومن عــــــاداه

أجرنا بها الحيين من ضيم حقهم

وتوســــع بهم عقب المضيـــق قضــــاه



أثارت صيغة «كعبة المضيوم» قريحة شعراء. فمن ذلك قصيدة جميلة لمنصور المري يقول فيها:

يا بنات الفكر هبي واستعدي للإشارة

سخِري من زين الأمثال والقـول السـديد

ذا نهار فيه نفرح مختصر كل العبارة

يوم ذكرى للمؤسس حن نحسبه يوم عيد

يرحم الله جاسم اللي قادها واعطى البشارة

وقال داري كعبة المضيوم بالوقت الشـديد

واحتماها بالسيوف من العديد إلى الزبارة

فــــي نـــهار وليـــــل تشــيب الطفل الــوليد

والمضيوم، بطبيعة الحال، هو من وقع عليه الضيم. وصيغة المفعول من ضيم لم ترد قديماً، إنما قيست على «مظلوم» والتي هي بنفس المعنى. ولعله الظاء في «مظلوم» الذي جعل الأغلبية يظنونها «مظيوم». فالبحث في جوجل عن «كعبة المظيوم» حصرياً يسفر عن 173 ألف مطابقة، في مقابل 14 ألف فقط لـ «كعبة المضيوم»! وفي أبيات في امتداح قبيلة عنزة:

هـم سنام المجد هم أهل الفعول المنجزه

هم ذرى المظيوم هم ستر الضعيف المعتزى

والإيواء والإجارة من صميم شيم العرب حتى قبل الإسلام. فالسموءل الذي يضرب به المثل في الوفاء يقول:

لنا جبل يحتله من نجيره

منيع يرد الطرف وهو كليل

ولعل المطلع يجد ندرةً تامة عندما يتعلق الأمر بشرح الأبيات النبطية. المعاني مستحدثة، وهي لا تعني ما كانت تعنيه قديماً. والذي أظنه مثلاً هو أن كلمة «وزا بنا» في بيت المؤسس أعلاه تعني «جاورنا». والشيخ جاسم مؤسس دولة بحق. راجع في ذلك كتاب «جاسم القائد - مؤسس دولة قطر» (صحيفة العرب، 16 ديسمبر 2012). وهو أجدر من ينبغي أن يعتنى بآثاره ومآثره. كم نتمنى من وزارة الثقافة في قطر أن تضطلع بتلك المهمة.