في رحاب طه حسين

د. محمد عبد المطلب

لم أقابل طه حسين، ولم يجر بيننا حوار ما، وإنما تابعته مستمعاً وقارئاً، ثم سرت في جنازته عام 1973، وما أرويه اليوم، أرويه عن مصدر ثقة، هو المرحوم الدكتور مصطفى ناصف أحد أهم تلاميذ طه حسين الذين لازموه زمناً طويلاً، وفي جلسة لي معه عام 1997 فتح ذاكرته على بعض ذكرياته مع أستاذه، وهي ذكريات لم ينشرها في أي من كتبه.

وسوف أختار مما رواه بعض ما أحب أن يطلع عليه القراء، وبخاصة في الموضوعات العامة، وما يتصل منها بالثقافة والمثقفين، إذ إن كثيراً من هؤلاء المثقفين كانوا يشككون في عقيدة طه حسين، ويتهمونه بالعداء للتراث، وهي تهم باطلة، فموقفه من التراث، هو موقف العالم المدقق، يقبل منه ما احتفظ بشرط الصلاحية، ويرفض ما فقد هذا الشرط، وفي هذا السياق يروي ناصف أن أحد الأشخاص سأله يوماً: ما الحدث أو الموقف الذي أسفت عليه أشد الأسف؟ فأجاب: «يوم أن ألقيت عمامتي في البحر» والكناية هنا واضحة، إذ المقصود: مرحلة البدايات في مسيرة طه حسين، وهي مرحلة مليئة بالتمرد، وفي إطار هذا التمرد كان رفضه للتراث على نحو مؤقت.

ولا شك أن حبه للتراث قد ارتبط ببدايته التعليمية في الأزهر، وكيف سكن الأزهر عقله ووجدانه، في إحدى المرات كان يلقي محاضرة عن التعليم الجامعي، وكان بين الحضور «لطفي السيد» مدير الجامعة آنذاك، فبدأ المحاضرة بتحيته، ثم انتقل للحديث عن التعليم الجامعي في الأزهر، ولم يعرض له في الجامعة الأهلية التي أصبحت «جامعة فؤاد» حيث كشف عن القيمة العلمية التي قدمها علماء الأزهر، موضحاً أن مؤلفاتهم لا تقل في قيمتها العلمية عن مؤلفات العلماء في جامعات العالم.

وبالرغم من ذلك فقد تكاثرت الطعون في عقيدته حتى رماه البعض بالكفر، ولم تشفع له مؤلفاته الإسلامية، مثل: «مرآة الإسلام وعلى هامش السيرة، والوعد الحق، والشيخان، والفتنة الكبرى»، وفي هذا السياق يروي ناصف أنه بعد عودة طه حسين من أداء فريضة الحج، سأله أحد الصحفيين: عن الدعاء الذي توجه به إلى الله في طوافه وفي وقوفه أمام الكعبة، فقال: «عجبت لأناس يريدون أن يدخلوا بين العبد وربه».

وكثيراً ما كان يردد - في حضور ناصف - تقصير علماء الإسلام في شرح الإسلام والدعوة إليه ويقول: «لو أن علماء المسلمين والفقهاء عملوا بقوله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» (النحل: 125)، ويذكر طه أنه ألقى محاضرة في «فلورنسا» ذكر فيها هذه الآية وشرح معناها، وفي اليوم التالي جاءته إحدى السيدات اللائي حضرن المحاضرة قائلة له: تحببني إلى الإسلام الذي أحببته منذ أمس».

وعلى هدي من عقيدته الدينية والثقافية لم يتقبل أي تزييف للحقائق، أو أن يدعي إنسان ما ليس من حقه، ويذكر ناصف أن أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة قدم له طلباً في أمر يخصه، ووقع على الطلب: «الأستاذ الدكتور فلان» وكان صاحب الطلب أستاذاً مساعداً لا أستاذاً، فكتب طه معلقاً على الطلب بموجز من الكلام يغني عن كل تفصيل: «إن هذا احتيال لا يليق بالعلماء».

وهذا الموقف الأخلاقي كان خصيصة غريزية في طه حسين، فعندما كان وزيراً للمعارف في عام 1950 جاءه سكرتيره يخبره أن «أحمد مصطفى عمرو باشا» يريد مقابلته في أمر يتعلق بتلميذ يريد إلحاقه بإحدى المدارس الحكومية، فقال له: وما حاجة الباشا إلى مدارس الوزارة، إن في وسعه أن يرسله على نفقته الخاصة إلى أوروبا، واعتذر عن عدم المقابلة.

وبعد قليل جاءه السكرتير يخبره أن أحد الجنود السودانيين يطلب المقابلة من أجل إلحاق ابنه بإحدى المدارس الابتدائية التي رفضت قبوله لكبر سنه، فقال طه للجندي: ولماذا لا تدخله مدرسة روض الفرج، فهي تقبل كبار السن، فقال الجندي في سذاجة: «ودنك منين ياجحا؟ وأجيب أجرة الترماي منين؟»، فإذا بطه يهاتف ناظر مدرسة شبرا ليطلب منه قبول هذا التلميذ استثناء.

لقد كان هذا الخلق الإنساني سليقة في «عميد الأدب العربي»، وهو اللقب الذي عرف به طه حسين، وفي مقابلة لي مع المفكر التونسي الكبير «محمود المسعدي» في بيته بتونس عام 1997، قال لي: لقد ظلمتم طه بهذا اللقب، ذلك أن اللقب الذي يستحقه، هو: «عميد الثقافة العربية».