الخجل من أن تكون إنساناًً

عبد السلام بنعبد العالي

الدهشة، هي الإحساس الذي كان اليونان يربطونه بميلاد الفلسفة، فهي التي دفعت الحكماء الأوائل، على حد قول أرسطو، إلى التأمل الفلسفي. الدهشة التي هي انفعال يدفع إلى طرح الأسئلة لما يواجهه الفكر من غرابة غير متوقعة، كانت كافية للحث على التفكير. أمام الصعوبات تأخذك الدهشة فتعترف بجهلك. «تحرراً من هذا الجهل خاض الفلاسفة الأوائل غمار الفلسفة بهدف المعرفة وحدها، وليس من أجل غاية نفعية» كما يؤكد المعلم الأول.

أما اليوم فلم يعد ما يثير انفعالنا صعوبات نظرية، ولا جهلنا بالأسباب والمسببات، وإنما البلاهة التي تحيط بنا من كل جانب. هاهنا لا يسود الشعور بالاستغراب والتعجب، وإنما الإحساس بالاستياء، وهو استياء غالباً ما نحس أننا مسؤولون عنه، فنشعر بالخجل إزاءه. مقابل دهشة الأقدمين، خجل المحدثين.

يرى (جيل دولوز) أن أحد دواعي الفن والفكر في الحياة المعاصرة هو هذا الإحساس بالخجل، وليس أي خجل، وإنما «الخجل من أن تكون إنساناًً». ينسب دولوز هذه العبارة لأحد الأدباء الإيطاليين (بريمو ليفي) الذي عانى تجربة مخيّمات أوشفتز، والذي لم يكن يعني بعبارته هذه، كما يؤكد دولوز، أننا كلنا قتلة، وأننا كلنا مجرمون. هو يقول «إن هذا لا يعني أن الجلادين والضحايا من طينة واحدة».

لهذه العبارة في رأي دولوز دلالات كثيرة، فهي تعني في الوقت ذاته: «كيف أمكن لأناس أن يقترفوا هذا الفعل؟ لكنها تعني أيضاً: «كيف حصل أنني اتخذت أمام ذلك موقفاً مهادناً؟». أنا لم أصبح جلاداً، إلا أنني أبديت ما يكفي من المهادنة كي أبقى على قيد الحياة. أضف إلى هذا أنني لابد وأن أشعر بنوع من الخجل لكوني نجوت من الموت مكان بعض الأصدقاء الذين لم يتمكنوا من النجاة، نجوت لأنهم لم ينجوا. خجل مضاعف إذاً : أمام ما اقتُرِف من أفعال، وأمام التواطؤ المضمَر، وأمام من لم يستطع أن ينجو بجلده مثلي.

ينبهنا دولوز إلى أن هذا النوع من الإحساس وما يترتب عنه، ليس محتاجاً في حياتنا المعاصرة لحدث في قوة المخيمات التي يشير إليها بريمو ليفي. فكل منّا يعيش، في حياته اليومية أحداثاً تبعث فيه الإحساس بـ «الخجل من أن يكون إنساناً». «فقد ترمي بنا الصدفة لأن نحضر مشهد فرد تصدر عنه تصرفات مبالغة في السوقية، فلا نردّ على ذلك، إلا أننا ننزعج مكانه، وننزعج من أنفسنا، لكوننا نشعر أننا نتحمل تصرفاته على مضض، وأننا، هنا أيضاً، نبدي نوعاً من المهادنة. نكون إذاً مأسورين حتى في هذا النوع من المَشاهد، على بساطتها، فنشعر بشيء من الخجل من أن نكون من البشر.».

لسنا مضطرين إذاً للوقوف عند حالات قصوى كما يفعل (بريمو ليفي). فحياتنا المعاصرة تعجّ بما يبعث على «الخجل من أن تكون إنساناً». ونحن لا نفتأ نعقد مع ما يدور حولنا تواطؤات مهادنة تزيد من شدة وطأة خجلنا. صحيح أننا لسنا مسؤولين عن الضحايا، إلا أننا مسؤولون أمام الضحايا. وهم ليسوا بالضرورة ضحايا مخيّمات التعذيب، وإنما ضحايا بلاهات الحياة المعاصرة.

لا يأتي إعجاب دولوز بـ (بريمو ليفي) من كونه عاش تلك التجربة القصوى وتخطّاها، على رغم ما أثير حول مسألة التخطي هذه من ضجة، نتيجة للخلاف حول تأويل موت الكاتب وما إذا كان انتحاراً، إلا أن ذلك لا ينقص من عمق تلك التجربة التي كانت استجابة قوية للحياة أمام قوى العنف المنظَّم. فقد استطاع الأديب الإيطالي أن يجعل من تجربته هذه محفزاً لمقاومة ما يبعث على الخجل. هذا ما دفع دولوز أن يرى في عمله الفني، بل وفي أساس الفكر والفن في حياتنا المعاصرة ما للشعور بـ «الخجل من أن تكون إنساناً» من دور فعَّال، إذ هو الذي يقوم في نظره اليوم أساساً للفن والفكر، ويجعل منهما وسيلتين لتحرير قوى الحياة، ومقاومة البلاهة بمختلف أشكالها.