فرق توقيت

شريف عبد المجيد قاص مصري مميز، شق طرقاً إبداعية متنوعة، فكتب القصة القصيرة والسيناريو، ومارس التصوير الفوتوغرافي، له مشروع قصصي طموح وسَمْت كتابي خاص به يصحبه من مجموعة قصصية إلى أخرى، إلا أننا مع ذلك نجد في مجموعاته الأربع تطوراً أسلوبياً في كل مجموعة عن سابقتها والتقاطاً لكل ما يجدد دماء كتاباته. ومجموعته «فرق توقيت» تشكل امتداداً لمجموعته السابقة (خدمات ما بعد البيع) والتي حاز عليها جائزة «ساويرس» في القصة القصيرة عام 2008.

يواصل عبد المجيد في مجموعته الأخيرة اللعب على وتر الأحلام البسيطة، التي رغم بساطتها هذه، يتم إجهاضها في مجتمعات تفقد الإنسان إنسانيته، إذ تتجاوز القصة لديه مجرد الحفر في نفسيات شخوص وأحلامهم إلى الحفر في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تفتك بالبشر. ورغم أن «فرق توقيت» هو عنوان إحدى القصص داخل المجموعة فإنه يؤطرها جميعاً، حيث نجد أنفسنا أمام فروق توقيت شاسعة بين الذات وتحققها، بين الإنسان ومجتمعه، بين الأحلام والمصائر، حيث قسوة المجتمع التي تدهس كل ما يقابلها.

تفضح النصوص داخل المجموعة مدى التفكك والتناقضات التي يحفل بها عصر العولمة - حيث التواصل الوهمي والذوات المتوحدة مع نفسها. وتتنوع طرائق السرد داخل المجموعة بين الضمائر: المتكلم، والغائب، والمخاطب، وبين تقنية الحوار المحض والسرد المحض، وبين الوصف والتداعي الحر، وتتداخل أحياناً هذه التقنيات داخل القصة الواحدة. كما نجد ألعاباً تقنية مثل الصراع بين الراوي والمؤلف في إعادة صياغة الأحداث كما في قصة «جزمة الباشا». يأتي عبد المجيد بشخوص قصصه أبطالاً إشكاليين يجابهون طواحين واقع صادم ذي رياح عاتية فيتماهى بطل القصة مع أبطال فيلم «اللعب مع الشيطان» (GO TO HELL) ما يظهر أيضاً في قصة الذين كانوا نجوماً واعدة (عبد الله محمود، وهالة فؤاد، ومحسن محيي الدين، وهشام سليم) ففشلوا في مواصلة مشروعات فنية ناجحة وغيبهم الموت سواء جسدياً أو فنياً، فأفل نجمهم، شأنهم في ذلك شأن بطل القصة الذي يمثل أنموذجاً أيقونياً لشباب الجيل التسعيني المثقف، الذي لم ينل حظه من التقدير. تعمد المجموعة إلى معاينة مجتمع العولمة بأدواتها الحديثة من وسائل اتصال وغيره، وتتسرب هذه الأدوات باعتبارها لغة هذا العصر إلى جسد النصوص بوصفها جزءاً من تركيبته البنائية، واتساقاً مع هذا تتسرب اللغة الإنجليزية إلى لغة السرد، وكأن الحدود قد سقطت بين اللغات، تماماً كما سقط سور برلين، وكما سقطت الحدود بين الدول بفعل وسائل الاتصال.

تعمد النصوص إلى استخدام نسق لغوي خال من الزركشة اللغوية من مجاز وغيره. لغة متقشفة باردة حيادية أو هكذا تدعي، لغة براجماتية تتسق مع العوالم التي تقدمها النصوص، وكأن السرد يستعير لغة النظام العالمي الجديد ليفضحه ويقوم بتفكيكه وتعريته.

 موضوعات أخرى