الجزائر .. هويات جنوبية

سعيد خطيبي

ماذا يحدث جنوبي الجزائر؟ سؤال يحتمل أكثر من إجابة واحدة، فمنذ حوالي ثلاثة أشهر، تشهد المنطقة حالة غليان اجتماعي واسع، يمتد من شمالي صحراء البلاد إلى وسطها، تختفي وراءه أسئلة ثقافية وأخرى هوياتية.. احتجاجات واضرابات وبوادر غضب مدني منظم، تجتاح منطقة يشعر سكانها بأنهم يعيشون على هامش مركزية الدولة (في الجزائر العاصمة) وفي ﺬيل اهتماماتها، رافقتها عودة التساؤل عن خصوصية المنطقة باعتبارها حاضنة ﺃهم مصادر الدخل القومي: بترول، وغاز، وأهميتها من حيث التعدد العرقي والهوياتي، وكذا اللغوي، فالصحراء الجزائرية شكلت وماتزال نقطة استقطاب دراسات وأبحاث أدبية وسوسيولوجية أجنبية، في وقت تظل فيه مهملة من أولويات سلطة البلاد السياسية، ومستبعدة نسبياً من السياسات والتظاهرات الثقافية السنوية المهمة.

على بعد حوالي 300 كلم جنوبي الجزائر العاصمة، تبدأ الصحراء، وتظهر أولى النقاط الفاصلة بين شمالي البلد وجنوبها، على المحور: سوقر، حاسي بحبح وبوسعادة، من هناك يبدأ فضاء جغرافي آخر، يختلف عن مناطق جبال الأطلس وجرجرة والساحل، يمتد على طول البصر، حيث تصير الأرض رملاً غير منتهٍ، تتخلله مدن وواحات وتجمعات سكنية متفرقة، مع طقس أكثر جفافاً، مقارنة بالطقس المتوسطي. ويتحول إيقاع الحياة اليومية من متسارع إلى متباطئ، وتقلّ الكثافة السكانية، وتتغير لهجة الفرد وطباع وعادات وتقاليد الجماعة، فالجزائر هي امتداد لصحراء شاسعة جعلت منها أكبر بلد في القارة السمراء، في الوطن العربي وفي حوض المتوسط، مساحة (2 381 741 كلم2)، والحديث عن مساحة هو حديث إلزامي عن «تعدد»، والصحراء كانت وماتزال بؤرة حراك عرقي واجتماعي. والاختلاف سمة رئيسية في الحياة الصحراوية التي تواجه روتين الطبيعة بتجديد نفسها وبالانبعاث من صمتها ومللها كلما توجَّب عليها الأمر.



من تيقنتورين إلى هوليوود

«هوليوود بصدد التحضير لفيلم تدور وقائعه في الصحراء الجزائرية». هي ليست إشاعة، بل خبراً مسرباً من مصدر جدّ موثوق، حيث يفكر بعض العاملين في الفن السابع بلوس أنجلوس الأميركية، باستغلال واحدة من أهم القضايا السياسية التي شغلت الرأي العام الدولي، في الأشهر الماضية، وتحويلها إلى فيلم سينمائي. ويتعلق الأمر بقضية اختطاف رهائن أجانب، بمحطة الغاز«تيقنتورين» (بالقرب من إن آميناس بالصحراء الجزائرية). وتدور التخمينات، في الوقت الراهن، حول المخرجين بن أفليك (صاحب فيلم «آرغو» الحائز على أوسكار 2013)، وكاترين بيغلو(مخرجة «ذيرو دارك ثيرتي») اللذين تخصصاً في معالجة قضايا سينمائية ﺬات أبعاد سياسية. وإن حَدَث وصدر الفيلم فإنه لن يكون أقل سوداوية من واقعة الاختطاف الحقيقية نفسها(16 - 19 يناير الماضي)، التي أودت بحياة 37 ضحية من الجزائر ومن جنسيات غربية مختلفة: يابانية، فليبينية، بريطانية، نرويجية، ماليزية، أميركية، فرنسية، رومانية، تركية، إيرلندية، نمساوية، برتغالية وكولومبية(إضافة إلى 29 إرهابياً، من المجموعة التي تبنت عملية الاختطاف). وهي حادثة تمثِّل نقطة ذروة وتحوُّل يستوجب التوقف عندها، حيث جاءت كَرَدّة فعل من تنظيم مقرَّب من «القاعدة» على التدخل الفرنسي العسكري شمالي مالي، وردّاً على قبول الجزائر للتدخل العسكري. العملية نفسها كشفت أن الجنوب تحوَّل إلى ما يشبه الخاصرة الرخوة في البلد، مما يستدعي تفكيراً عاجلاً وتدخُّلاً من الحكومة المركزية، وبأن توليه أولوية في تعاملها اليومي والسنوي مع القضايا الوطنية الحساسة. ومن تينقنورين ظل اهتمام الإعلامي، محلياً وأجنبياً، منصَبّاً دائماً على الجنوب، على مدن قريبة، مثل الأغواط(مقر واحدة من أكبر الطرق الصوفية في إفريقيا إجمالاً: الطريقة التيجانية)، ورقلة(التي تحتوي واحدة من أكبر القواعد البترولية: حاسي مسعود)، غرداية(عاصمة الإباضية)، وغيرها، والتي تحولت إلى مسارح مفتوحة على الاحتجاج الاجتماعي موازاة مع تساؤل مستمر عن قضايا التعدد الهوياتي وتقبل النظام لحق الآخر في الاختلاف، فبحسب مختصين سوسيولوجيين فإن «غضب» الجنوبيين ليس فقط غضباً نابعاً من وضع اجتماعي معين (بطالة، حرمان، توزيع غير عادل لثروات البلد، إلخ)، بل يعكس أيضاً رغبة في التنفيس عن كبت داخلي، فلطالما شعر الجنوبي بنوع من العقدة تجاه الشمالي، وبدونية أمامه، وكثيراً ما زايد الشمالي على الجنوبي، مستفيداً من قربه الجغرافي من مركز السلطة، ومن جهله بالجنوب وبالجنوبي إجمالاً، وفي الثنائية شمال - جنوب في الجزائر تبرز عديد المفارقات: القطيعة التاريخية والسوسيولوجية ما تزال قائمة بين الطرفين، والتعصب للجماعة وللانتماء لا يمكن التغاضي عنه، يضاف إلى ﺬلك فشل المؤسسات الرسمية (حزبياً، إعلامياً وجمعوياً) في التقريب بين الجانبين والتقليل من الفوارق.



ماركس تحت ظل الواحة

بين شهري مارس ومايو 1882 زار كارل ماركس الجزائر، أي سنة واحدة قبل وفاته، استجابة لنصيحة أحد الأطباء، بعد تعرضه لالتهاب قصبات حاد، وعدا الجزائر العاصمة، حيث حلق لحيته الشهيرة، فقد زار ماركس مدينة بسكرة الجنوبية (حيث أقام الكاتب العالمي أندري جيد، وكتب جزءاً من روايته: «طعام الأرض»). وهناك كتب صاحب «رأس المال» واحدة من أشهر رسائله إلى رفيقه الفيلسوف إنجلز يعتذر فيها عن وصف سكان شمالي إفريقيا «بالكانيباليزم» وعن تبريره غير المنطقي للحملة الكولونيالية الفرنسية على الجزائر. والجنوب كان دائماً محطة مهمة في رحلات كتّاب أوربيين وفنانين غربيين إجمالاً، على غرار الكاتبة السويسرية الأصل إيزابيل إيبرهاردت - التي ينسبها البعض لآرتير رامبو دونما تناسي الفنان الفرنسي إيتيان ديني، والبلجيكي ادوار فرشافليت وغيرهم. هذا الامتزاج العرقي والثقافي شَكَّلَ حساسية مميزة في المنطقة، وأثرى التجربة الإبداعية الجنوبية، ولكن بعد الاستقلال، وعلى طول الخمسين سنة الماضية، لا يكاد الجنوب، وصحراء البلد عموماً، يظهر سوى تحت أضواء سياحية إيزوتيكية، تقليدية، تفتقد للواقعية ولإدراك لراهن وتحولات المنطقة، كما لو أن الصحراء، ومدن المنطقة، لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام على طول نصف قرن من الزمن، وهو وضع ساهم في تعميق الهوّة بين مثقفي شمال وجنوب البلد الواحد، وعَزَّز حالتي كبت ومعاداة دفينتين كل واحد تجاه الآخر، مع تعصُّب كل طرف لموروثه التقليدي والاجتماعي، دونما فهم واضح وحقيقي للهوية الجزائرية الجامعة، التي من المفروض أن تجمع تحت سقفها مختلف الأنماط والألوان المتعددة.

خلف صور الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية، التي اكتسحت بعض شاشات التلفزيونات العربية والغربية، في الفترة الماضية، وبعيداً عن التعليقات الصحافية السطحية التي تختصر حراك الجنوب في مجرد بعض مطالب الشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية، تكمن أسئلة أكبر تتعلق بعدم فهم بالحالة الجنوبية وسوء تأويل لخصوصياتها الثقافية والعرقية، خصوصاً في المرحلة الراهنة، حيث يجد جنوب الجزائر نفسه محاصراً باضطرابات الوضع شمالي مالي، وبالانفلات الأمني على الحدود مع ليبيا واستمرار نشاط الجماعات المحسوبة على تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

 موضوعات أخرى