الكاتب المغربي «أبو يوسف طه»: العزلة الخلّاقة غير الانطواء اليائس

حوار: أنيس الرافعي



يحدث للكاتب الكبير أن ينفر وينأى، أن يتوارى أو يختفي كما تختفي أشعة النور من الكف القابضة. وواقعة من هذا القبيل ما هي إلا إعلان عزلة اختيارية من الزحام ومن أمراض المشهد الثقافي. هذا ما حدث بالضبط للأديب المغربي «أبو يوسف طه» الذي خاصم الحياة الأدبية وذاب في نفسه لمدة تفوق العقد من الزمن. فكيف صعد رائد القصة المغربية و«صائغ فصوصها النفيسة» إلى وحدته دون أن يلتفت إليه أي ﺃحد ؟ ولِمَ كل هذا الجحود والنسيان تجاه هذا الكنَف الكريم الذي لولاه لما تربت عصافير أدبية كثيرة، ولما قُيِّض لها أن تسافر إلى كل الأنحاء بدون أجنحة صاحب «الشتاء الضوئي» و«عشاء البحر» و«سلة العنب» و«مدينة بحجم الكف» و«المدينة وسقوط العقل»...

مؤخراً، اقتحمت مجلة «الدوحة» خلوة «أبو يوسف طه» في المنطقة الريفية التي ارتضى أن يغدو فيها «بستانياً يابانياً» يرعى الأصص والفسائل بمثل الحدب الذي رعى به دوماً حكاياته وسرده الراسخين في الوجدان والذائقة، فكان هذا الحوار:

™عزلتك ككاتب وتوقُّفك عن الظهور في المشهد الثقافي المغربي والعربي لمدة طويلة. هل هي عزلة تأمُّل أم عزلة خيبة ؟

- هما الاثنتان معاً، الكاتب، في واقع الأمر، بالمعنى الذي ﺃفهمه مجبّرٌ على العزلة ليقرﺃ بإمعان، ويكتب بروية، فالعزلة الخلاّقة غير الانطواء اليائس، العزلة نأيٌ عن التشويشات العارضة التي تحملها ضوضاء اليومي والكلام الرتيب، جدل داخلي، جوس في السراديب ونشدان للصفاء، بعيداً عن التلاشي في الحشود، وهذا سبب أولي، أما الثاني فنتيجة صدود عما يكتنف المشهد الثقافي من انكسار وتصَدُّع والتباس، لقد أفسد سياسيون دهاة ومندسّون ومتلاعبون الجو الثقافي، ونزعوا منه الصفاء الأخلاقي.

™ هل جاءت هذه العزلة بإضافة نوعية، وبنفس آخر على مستوى الكتابة بعد «رجوع الشيخ» إلى سرده ومحكياته ؟

- لقد كنت منصرفاً للقراءة والتأمل ومتابعة المشهد، وبسبب عامل رئيس: الحراك العربي لابدّ أن نقلةً ما حدثت في كتاباتي، وإن كنت أملك رؤية واضحة يمكن ملامستها في رواية «الشتاء الضوئي».

™ تحدثت ذات يوم في مقالة غاضبة لك عن «نقاد الرصيف». هل يعتبر «أبو يوسف طه» نفسه مظلوماً من لدن المدّونة النقدية ؟

- لا أحد يمكنه أن ينزع منك حقّ الكتابة، لقد بدأت سنة 1964عندما نشرت قصة «ماسح الأحذية»، وأنا مستمر إلى الآن وفق إيقاع بطيء. أنا أكتب وكفى، ومن حق من يصنّف نفسه ( ناقداً ) أن يلتفت إلى نصوصي أو لا يفعل، ذلك حقه المشروع مثلما أن من حقّي المشروع الكتابة والقفز على المتاريس لأن الناقد العمومي مظلوم هو الآخر لأنه غير مؤثر، والنقاد بالمعنى الأكاديمي قلة نادرة. وهم أنفسهم ليس في إمكانهم أن يرسِّخوا اسماً، أو يغرقوه في قاع المحيط..والأمر أساساً مرتبط بمكونات الوضع الثقافي الهش والمتثائب كببغاء بوشكين، فالثقافة صناعة، فيها منتجو الخيرات الرمزية، وناشرون أكفاء، وتوزيع جيد، وجوائز، ومراجعون صحافيون، ونقاد إلخ... هل هذه البنية متوفرة عندنا؟ وعليه فأنا أكتب ولا أبالي مثلما يلمع ضوء أو يزقزق عصفور.

™تُعتَبر من بين رواد القصة القصيرة المغربية وواحداً من مجدديها الأكثر أصالة لأنك رسخت في متنها «المنزع الكافكاوي والرؤية الكابوسية».. ما هو تقييمك للتحولات واﻹبدالات التي شهدها المشهد القصصي المغربي خلال العقدين الأخيرين ؟.

- عرفت القصة طفرة نوعية على مستوى التيمات والمكونات الفنية، منتقلة من مستوى ( الأدب الحافي ) إلى (الفن الأدبي )، وهو أمر ملفت يجد تبريره في التحولات العامة، واتساع دائرة المتعلمين من فئات اجتماعية مختلفة، وإتقان اللغات الممكّنة من الاطلاع على مسارات الآداب الأجنبية، وعلى ضوء هذه المعطيات وبينما توّلدت حساسية جديدة نرى تجسّداتها في أعمال كثير من الكتّاب الجدد...كما أنّ القاص بات يعنى بمدونات نصوصه بشكل دقيق، إلىأن أصبحنا بصدد الانتقال من الهواية إلى الاحتراف، وسوف تلعب دور النشر المشرقية دوراً مهماً في اجتذاب هذا الرأسمال الرمزي.

™ تنتقل بين كتابة القصة والرواية القصيرة «النوفيلا»، كيف توفِّق بين هاتين الضفتين وذينك السجلّين؟

- تبدو لي الأمور عادية، فالرؤية والموضوع محددان جوهريان للمساحة النصية. ولأن لغتي شعرية - وكثيفة كما يقول بعض النقاد - فإن كتابة القصة القصيرة والرواية القصيرة أمران متقاربان لا يطرحان مشكلاً ما. الأمر شبيه برسم نقش على فص خاتم، ولهو فقمة بِكُرة صغيرة فوق أنفها...الكرة اختزال لعالم كبير.

™ لماذا يحجم «أبو يوسف طه» عن نشر أعماله، ويحتفظ بها لمدة طويلة في الأدراج، على خلاف أبناء جيله الذين حققوا تراكماً لافتاً في النشر ؟

- يهمني في الكتابة النوعية لا التراكم، ولو كتبت نصاً واحداً جيداً، وفق ما آمل، لتوقفت نهائياً عن الكتابة. النص المؤثر، الطائر الجوّاب، لهذا أتريث متردداً ومراجعاً لأنني ككائن لغوي ﺃصنع كينونتي باللّغة، وهذا أمر ليس باليسير.

™ ما هي حرفة القاص بالنسبة ﻟ «أبو يوسف طه» ؟ وكيف يدير مشغله الإبداعي ؟ وما هي الطقوس المحيطة بهذا المشغل ؟.

- الكتابة تحتاج إلى عدة وعتاد لأن موضوعها الإنسان ومحيطه، تحتاج قراءة وملاحظة وامتلاك رؤية، تحديد مسافة، في المجال الأدبي، بين المكتوب وما سيكتب، فيصبح آنئذ من السهل أن تبني عشك الرمزي بين فروع شجرة الكتابة.أما بخصوص الطقوس المختارة للكتابة، ففي فترة ما كنت ﺃكتب في حجرة فارغة إلا من مكتب مستدير، ليلاً، وعلى ضوء شمعة، وفي فترة لاحقة كنت ﺃكتب في الظهيرة، في مقهى «ﺃدرار» أو «المعتمد» بحي جليز، والآن أوثر الكتابة في البادية.

™ يبدو متخيلك السردي مختلفاً ومنغمساً في أعماق الإنسان والمكان. هل من الممكن أن تحدثنا عن الرؤية الثاوية وراء هذا التصور ؟.

- تقول الأسطورة إنّ الإنسان دُفع خارج الفردوس لأنّه أكل من شجرة المعرفة أي الرغبة في أن يتعرّف، مسار شاق ومؤلم باتجاه الفردوس: الحقيقة، حقيقة الذات وحقيقة العالم.إلى حدّ الآن الرحلة لم تتوقف، ولن تتوقف لأن الحقيقة الوحيدة هي الموت، لذلك نراوغها بأن نظل منهمكين في الحياة، وندشِّن انخراطنا في كرنفال هائل، نخترع لغة ماكرة تظهر وتخفي، ونعيش بفضيلة نسيان موهوب. هذا جانب من رؤيتي.

™ ما نصيب السيرذاتي في ما كتبته من قصة ورواية؟ وكيف تنظر إلى علاقة الذات بالكتابة ؟

- حينما نقوم بتقشير البصل لا نجد نواة. الأمر مختلف في الكتابة، نبحث عن الحقيقة خارجنا فنجد ذاتنا هناك، الأمر أشبه بأروع ما اهتدى إليه الإنسان: القبلة الفموية بين رجل وامرأة، حيث عبر التصاق الشفتين تتناوب الروحان الحلول في الجسدين، وإلا لماذا نغمض عيوننا أثناء ذلك في غفوة لا إرادية ؟ ولأعطي مثالاً تبسيطياً فـ «الخيميائي» لباولو كويلو من خلال الإبدال توضح معنى علاقة الذات بالكتابة.

™ ماذا تمثل مراكش كفضاء للمتخيل والمعيش بالنسبة لك ؟.

- ولدت بمراكش سنة 1946 أو قبلها بقليل. إنها ذاكرتي وملاذي الروحي، إنّها تتخللني وأتخللها عيشاً وكتابة، أحس فيها بالدفء والسعادة، وحيثما حللت ﺃشعر أنها تجذبني إليها مثلما يجذب المغناطيس برادة الحديد.

™ تُعتَبر من المحككين للّغة السردية التي تأتي في أعمالك متوهجة بالشعر، ما أهمية اللغة في صوغ عوالمك الحكائية ؟

- مادة الرسام الصباغة، والنحات الحجر أو الفولاذ...والكاتب اللغة. واللغة ذات وظائف متعددة يجب أن تكون متوازنة ودالة ومناسبة، لا شحّ ولا ترهُّل. وكما يدوزن الموسيقي الآلة لينتقل المقروء إلى أنغام، كذا الشأن بالنسبة للكاتب، وهذا ما أحاول الوصول إليه.

™ ما هو جديد «أبو يوسف طه» ؟

من المحتمل صدور ثلاثة أعمال من بين عناوينها «أجنحة الفسيفساء» و«الحلم الباذخ»...وﺃشتغل على أعمال أخرى قصصية وروائية سترى النور قريباً.