بطل مصارعة يهوى اقتناء الكتب

سليمان فياض



يوماً ما، كنت جالساً في مكتبة «مركز الكتاب»، مع صديقي حامد سعيد مدير الفرع. كنا نتحدث، وانقطع حديثنا حين قالت سيدة وافدة لحامد سعيد: زوجي مهندس وأريد أن أنشئ له غرفة مكتبة في بيتنا. صنعت الدواليب، وهي الآن فارغة من الكتب، وأريد كتباً محترمة مجلدة عليها بصماتها أملأ بها فراغ الدواليب. ابتسمت أنا وصديقي، وقال لها حامد: كم كتاباً تريدين؟ وفي أي علم أو أدب أو تاريخ؟ فقالت له: لا أعرف العدد. قست فراغات الدواليب، فوجدتها ثمانية أمتار، هاتها في كل علم. ولا يهمني الثمن.

ناولها صديقي كتاباً به قائمة الكتب التي أصدرتها هيئة الكتاب بالقاهرة، وكتباً أخرى يوزعها الفرع لدور نشر أخرى، وقال لها: اجلسي معنا واختاري منها ما تشائين، وهذا هو القلم، وهذه هي الأوراق. فقالت له ضاحكة: أنا لا أفهم في هذه الأمور. اختر أنت لنا.

ونهض حامد. كانت مكتبة «مركز الكتاب» معروضة بنظام المكتبة المفتوحة، وراح يخرج من رفوف الدواليب كل كتاب مجلد تقع عليه عيناه.

***

في هذا اليوم، تذكرت صديقي «سمعة» وأخاه «هادي»، وكانا شقيقين. كان «سمعة» طويلاً، وكان طالباً بمعهد المنصورة الديني. وكان أخوه «هادي» قصيراً دون المتوسط في الطول. كان «سمعة» يهوى أموراً: أن يقرأ كتباً في مكتبة المنصوHرة بالحي المختلط، التي كنت ألازمها صباحاً ومساء، وأن يذاكر دروساً في الإنجليزية ليقرأ بها كتب الغرب يوماً ما، كما كان يقول. وكان أخوه هادي يهوى هو الآخر هوايتين: أن يلعب رياضة المصارعة، في الوزن الخفيف، وكان يفوز ببطولتها في نادي المنصورة. ويرتزق منها عاماً بعد عام. أما هوايته الأخرى، فكانت شراء الكتب، يقتني كل كتاب يراه على الرصيف في ميدان المحطة، وكان أحياناً يرى الكتاب الذي اشتراه، وينسى أنه اشتراه، فيشتري منه نسخة أخرى كلما رآه.

***

رأيتهما مقبلين معاً، بعد أن أطفأت مكتبة المختلط العامة أنوارها، وأغلقت أبوابها ونوافذها، كنت جالساً على سور المكتبة. كان سمعة يحمل قراطيس ملأى بأنواع الفاكهة ويلتهم منها بالدور ثمرة بعد أخرى، ويده تروح وتجيء بين فمه والقراطيس. أخذت أضحك عليه، وقدم لي قراطيسه قائلاً: كُلْ معي. خذ ما شئت. هززت رأسي معتذراً يمنة ويسرة. قال لي أخوه: المجنون. أعطيته ربع جنيه ليدخل السينما، فسارع بشراء كل الفواكه التي في السوق. وضحك سمعة، وقال لي وفمه مكتظ بما فيه: جوع. جوع للفواكه، ورزق جاء إليّ. جلسا بجانبي يمنة ويسرة، وقال لي مشيراً برأسه إلى أخيه: بارك له. حضرة الرياضي بطل المصارعة. تزوج أمس، برغم أنفه.

***

يعيش الأخوان مع أمهما في بيت متواضع من الطوب الني. ومن طابق واحد به غرفتان وصالة وحمام متواضع ومطبخ صغير. زوَّدَه هادي بكل ما ينقصه من حلل وأكواب وصينية. كان له مرتب شهري من نادي المدينة الرياضي. وكانت أمه تنال معاشاً عن زوجها الراحل، عامل التليفونات. وبذلت كل وسعها حتى ربتهما من الصغر إلى أن شَبّا. وصار ابنها «سمعة» طالباً بالمعهد الديني بالمدينة، وهوى أخوه الأصغر رياضة المصارعة، فهجر الصف الثاني الثانوي، والتحق مصارعاً بالنادي. وإلى جانب هوايته للمصارعة، هوى شراء الكتب، يشتري كل أسبوع، وكل شهر، وربما كل يوم كتباً جديدة من بائع الصحف بميدان المحطة، وحين يعود يقلِّب صفحات الكتاب ويقرأ كلمة من هنا وكلمة من هناك، ثم يطبقه ويضعه في صندوق بغرفته، كل كتاب مع أخيه في السلسلة نفسها، والكتب الأخرى كان لها صناديقها، حتى ازدحمت الغرفة بصناديق الكتب. وصرخت أمه محتجة: دي سرطان بيزحف في البيت. ويساندها أخوه بقوله: والمصيبة أنه لا يقرؤها. فيضحك عليه هادي قائلاً: احمد ربنا. كتب تأتي إليك. لتقرأها أنت. أنا سأقرؤها عندما أتفرغ لتدريب المصارعين في النادي، أو بعد أن أحيل نفسي إلى المعاش.

***

قلت لهادي: مبروك الزواج، فقال لفوره: المصيبة أنني خائف من الزواج. سيضعف قدرتي في المصارعة. والمصيبة الأكبر أنني تزوجتها رغم أنفي. هي تزوجتني. أنا لم أتزوجها.

بجانب بيت أمه، كان بيت لجارة مطلقة، لها ابنة وحيدة، سمراء، خفيفة الدم والظل، عيناها واسعتان، مليئتان بالجرأة والشقاوة. كل ليلة كانت تنتظر عودته، وتكاد من فرحتها أن تثب عليه معانقة، فينظر إليها بزهق، ويدخل بيته وهي تقول له: تصبح على خير. وفي الصباح، يراها على باب البيت كأنها لم تنم لحظة، ويسمعها تقول له: صباح الخير. متى سنتزوج يا هادي؟

وإثر فوز هادي ببطولة المصارعة في الوزن الخفيف، استأجر لنفسه البيت المجاور لبيت الجارة، وأراح أمه من هَمّ الكتب في البيت، ونقل إليه صناديق الكتب، واشترى لنفسه سريراً. وانتهزت أمه وجارتها فرصة سفره إلى القاهرة، لتسلُّم جائزته، وغاب يومين لا غير. ثم عاد وفتح بيته، وهاله ما رآه.

***

كانت رائحة البيت عطرة، وهواؤه نقياً، وراح ينتقل بين المطبخ، والحمام، والغرف المغلقة. كان بها كل شيء يلزم البيت: الحلل، والصواني، والأكواب، ومنضدة الطعام، وأربع كراسٍ. وفي الغرفة المغلقة، شاهد رفوفاً منتظمة اصطفت فوقها كتبه، وفق ارتفاعها وأحجامها وسمكها، وكان بها مقعد ومنضدة للقراءة.

أدهشه ما رآه، فضحك، وظن لأول لحظة أن ذلك من فعل أمه. ولمحت عيناه منضدة واطئة عليها صينية عليها أطباق مغطاة، تشي بما بها من طعام. عندئذ فقط شَكَّ فيما يراه، وسارع بفتح غرفته، فرأى فيها سريراً آخر، بينه وبين سريره كومودينو، ومصباح جاز نمرة (10). وفزع حين رأى ابنة جارته في فستان فرح بسيط، بمبي اللون، وهي تنظر إليه وتبتسم. صرخ: إيه اللي جابك هنا؟ فقالت ببساطة: أنت. أنت نسيت، وواصلت تقليبها في مجلة مصورة.

وغادر هادي بيته مسرعاً، طرق باب الجارة بعنف، واندفع إلى بيت أمه، رأى أخاه جالساً مرتدياً بدلة وكرافته. ورأى أمه في كل زينتها، ودخلت الجارة، وجلست مع أمه في كل زينتها. ضرب كفاً على كف، وقال بيأس: دي مؤامرة. قالت له أمه: اسأل نفسك أنت عملت إيه؟ وقال له «سمعة»: البنت بتحبك، وبتموت فيك. مش حتتجوزها، حتعمل لنفسك ولنا فضيحة. وتوالت الأصوات: المأذون جاي في السكة، والطبل البلدي وراه. اجلس واهدأ.

***

في تلك الليلة، دخل هادي ونعيمة دنيا غير الدنيا، وهجع هادي محبطاً، واستغرقت نعيمة في نوم هادئ، في ضوء مصباح خافت. وراح هادي يتأمل وجهها محدِّثاً نفسه: ما الفرق بينها وبين الرجل. هذا الشعر الطويل الكثيف.

قال هادي لي ولأخيه: بحثت عن مقص، أخذته ورحت أقص لها شعرها به، من جذوره. وقد راقت لي اللعبة. وشعرت أنني أنتقم. الحب. الرجال لا يبكون على الحب. كان أخوه يضحك من قلبه، وهادي مستمر في القول: وفي الصباح.. وتوقف عن القول، وكرر أخوه: نعم. حدثنا عن الصباح. وقلت أنا: ونعيمة لم تسكت عن الكلام المباح، وغير المباح، حين رأت أنها بلا شعر.

تضاحك هادي وهو يقول لنا باستغراب ودهشة: في الصباح تأخرت في النوم، وحين صحوت رأيتها تقبل نحوي وهي تحمل صينية عليها طعام الفطور، يتوسطها طبق، به بيض مقلي عيوناً عيوناً، تحيط به دوائر محمرة من البصل. وتوقف عن الكلام، كان لا يزال مبهوتاً. صحت به: وشعرها ! ألم تصرخ؟ قال لنا بهدوء: لا. كانت قد لفَّتَ رأسها بعصبة زرقاء، محلاة بالترتر، وجلست. وأحاطت بيضة بكاملها، ودستها في فمي. ثم قالت لي وهي تغني: شعري مهري، لك يا حبيبي.

 موضوعات أخرى