«ساق البامبو» أهمية النظر إلى الوراء

د. حسن رشيد

منذ سنوات قصار استوقفني للحظات منظر مغاير للمألوف: مجموعة من الصبية يمارسون ألعابهم البريئة في أحد الأحياء القديمة بإحدى مدننا الخليجية. كان المنظر اللافت للنظر بحق أن ملامحهم لا تتشابه مع ملامح أبناء المنطقة مع أن الحي يعج بأبناء المنطقة. طرحت تساؤلي على أحد الإخوة من أبناء المدينة، فألقى بقنبلته التي أثارت دهشتي والتصقت بذاكرتي حتى الآن! قال: «إن هذا، النتيجة الحتمية للاختلاط» ثم صمت. عرفت لاحقاً أن التزاوج بين أبناء المنطقة والآخر قد أخذ مداه، لعدة اعتبارات منها مثلاً: لقاءات عابرة عبر مواقف الحياة اليومية، وعدم وجود متطلبات لدى الآخر، ورخص تكاليف الزواج، القناعة، والبحث عن ملجأ آمن، وعشرات الأمور التي لا تشكل عائقاً أمام الارتباط، دون الشعور بالمسؤولية في واقع الأمر، وما سوف يترتب عليه لاحقاً من جراء هذا الواقع الجديد الذي يغزو المنطقة. هذا لا يعني أن الإنسان في هذه المنطقة لم يرتبط منذ زمن الغوص بزيجات خارج الحدود سواء في الهند وإيران وزنجبار، في البدء، وفي بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد المغرب وأوروبا وأميركا وبلاد شرق آسيا لاحقاً. ولكن الأمر لم يشكل تياراً كما هو واقع الآن.

كان المبدع أول من دق ناقوس الخطر حول هذا الأمر. كان البدء مع صرخة صقر الرشود في إطار المسرح عبر «ضاع الديك» وفيها ذلك الشاب الذي يعيش في إنجلترا منذ طفولته، وكان ابناً لبحار كويتي كان قد تزوج بأمه في «الهند» أيام الغوص والسفر والتجارة مع شبه القارة الهندية، وعندما كبر الشاب قرر أن يلحق بأبيه الذي كان قد نسي هذا الابن، وتزوج في وطنه وكَوَّنَ أسرة. لكن عودة (يوسف) الفتى العائد إلى حضن الوطن إلى أسرته الكويتية يغيرمن شبكة العلاقات، لأنه قد عاد بعاداته وتقاليده وما اكتسبه من الغرب. من هنا يواجه الصعوبات كما يواجه (عيسى أو خوسيه) في رواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي. كلاهما يواجه صعوبات عدة: سلوكية وأخلاقية، بالإضافة إلى الصعوبات التي تنشأ من رفض الأسرة لهذا الجسم الدخيل، فليس هناك تفاهم بين ذهنيتين مختلفتين. في «ساق البامبو» لا يرتكب (عيسى) أخطاء كما حصل مع يوسف الذي ارتكب الخطأ في مجتمع مسلم عربي له تقاليده وأعرافه. كان يوسف في «ضاع الديك» نتاج الحضارة الغربية. وكان الاعتقاد الراسخ لديه أن مثل هذا الأمر، أمر عادي وأن مثل هذه العلاقات لا تشكل هاجساً، ولكن يكتشف لاحقاً أنه قد يتعرض للعقوبة ولعل من نتائجها أن يجبر على الارتباط بابنة العم فيهرب، ولكن هل كان هروبه أمراً مناسباً؟ ذلك أن الأمر قد خلق فجوة بين الأب والعم، بين أشقاء الدم الواحد. هذا الأمر لم يتوقف عند صرخة الرشود - الكاتب والمخرج الكويتي-، بل إن الفنان الكبير غانم السليطي قد استلهم المضمون ذاته وطرحه لاحقاً عبر مسرحية «دوحة تشريف» وعزف على المضمون ذاته. إذاً هناك صرخات وإرهاصات عدة حوله، ولكن لرواية «ساق البامبو» طعماً آخر، وصرخة أخرى، ذلك أنه عين لاقطة، استطاع أن يخلق من الواقع والمتخيل هذا الإطار الفني الرائع وحصد- من ثم- الكاتب الشاب جائزة (البوكر)، ومن هنا نشعر بأن عصر الرواية قد بدأ عبر أصوات مميزة في إطار الإبداع الخليجي. كان عبده الخال منذ سنوات قد حصد الجائزة، وهاهو سعود السنعوسي، والأسماء تتوالى. فماذا طرح الكاتب الشاب عبر أحداث روايته؟.

هل الموضوع فقط مرتبط بالشاب عيسى الذي وُلد عبر علاقة بين أم فلبينية كانت تعمل خادمة في الكويت، وأب كويتي؟ عبر تاريخه نكتشف في النص أن ثقافته وفكره كانا أكثر عجزاً من مواجهة الحياة، وأن قوة وشكيمة (غنيمة) أمه، أقوى منه عندما حطمت بسيطرتها ذات يوم علاقة كانت تؤدي ولا شك إلى بناء أسرة كويتية. ولكن الفروق الطبقية حالت أيضاً دون إتمام تلك الزيجة!! ومن ثم ارتمى (راشد) في أحضان (جوزفين).

الكاتب عين لاقطة، استلهم الأحداث في الجزء الأول عبر تاريخ عيسى قبل الميلاد وخلال الفقرات الثمانية - يأخذنا إلى الفلبين عبر واقع مُتَخيِّل وواقعي في آن واحد، يعرّي الآخر قبل أن يعرّي الواقع الفلبيني الفقير، وكيف يدفع الإنسان ثمن لقمة العيش من روحه وجسده.. إن حضور (جوزفين) ليس صرخة على العمالة الوافدة، بل تجسيداً لمأساة الإنسان، سواء كان في الفلبين أو بعض دول أميركا اللاتينية أو بعض دول إفريقيا. كما أن وقوع (راشد) الابن الوحيد للعائلة شبه الثرية لا يعني سوى أمر واحد: أن يصرخ وأن يحتج ولو لمرة واحدة في وجه القوة الذي تمثله (الأم غنيمة)، وأن يحطم التابوت الأزلي. هكذا يرتبط سراً بالخادمة (جوزفين) وتكون ثمرة هذه العلاقة (عيسى) محور «ساق البامبو» الذي يعرف ملامح من وطنه من خلال ذاكرة الأم.

والأم تحلم بأن يعود ابنها إلى وطنه ولكنها لا تعي أن البامبو لا يمكن زرعه في أرض الكويت، وأن الفرع يعود إلى الأصل مرة أخرى وإن كان الابن - الحفيد - اسمه راشد. واقعياً، يكون عيسى غريباً- كما يقول- في وطنه. هذه الغربة يدفع ثمنها يومياً، وتسرق من ذاكرته كل ما هو جميل ورائع. بل إن الأسوأ أن صديق والده الذي ساهم في إحضاره، كان يهدف إلى أمر آخر: أن يعري واقع هذه الأسرة بعد أن رفضته زوجاً للابنة، لأنه مع الأسف من طبقة (بدون). إن الناتج في هذا النص الجميل يعرّي الواقع المعيش في المجتمع الذي، وإن غلف بمظاهر الحضارة الحديثة، إلا أنه مجتمع تقليدي، يرفض كل ما هو بعيد عن تقاليد القبيلة، ولذا فإن رفض زواج راشد من الخادمة جوزفين موازٍ لرفض الأسرة (غسان- هند). من هنا تفسر خولة (ابنة راشد الطاروف) وشقيقة عيسى مثل هذه الأمور في الجزء الخامس المعنون «عيسى على هامش الوطن» في الفقرة العاشرة: «لو أننا ننتمى إلى واحدة من تلك العائلات التي نصنفها كيفما شئنا بالعائلات الـ ... ترددت لعلها أوشكت أن تصفها بالوضيعة، تداركت (العائلات العادية) لكانت عمتي هند زوجة غسان منذ زمن، ومن دون أن يجرؤ أحد على النيل من اسم عائلتنا وجعلها مادة للتندُّر.. الطاروف يزوجون ابنتهم لرجل (بدون).... إلخ».

الكاتب عبر نسيج عمله يخلق ثنائية متكاملة، ومتناقضة في آن واحد. ذلك أن الجد (منيدوزا) لقيط وهو نتاج علاقة عابرة. و(ميرلا) ابنة (أيدا) أيضاً نتيجة علاقة عابرة بين شخص أوروبي ألقى ببذرته في رحم الأم ثم ولى هارباً. هذه الثنائيات في العلاقات تشكل معلماً أساسياً عبر الأجزاء الخمسة في العمل مع تعدُّد المشاهد التي تبلغ نحو ثمانين مشهداً بين الفلبين والكويت، مع مزج الواقع بالمتخيل كما أسلفت. كذلك إطلالة الكاتب الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل لها حضورها، كما أن عدداً من الشخوص من الكويت وهم رفقاء الدرب يشكلون عبر الأسماء والانتماءات حلقة وصل في مجتمع متآلف. لا يهم كيفية أداء فروض الصلاة كما هو الحال مع (مهدي)، ولكن المهم التلاحم ووشائج الحب بعيداً عن عصبيات المذهب أو المعتقد، ذلك أن الرواية تطرح فلسفة الكاتب الشاب في تعرية كل ما يشوه المجتمع العربي، وإن كان يطرح أبعاد أسئلة الهوية.

إن حصد «ساق البامبو» للجائزة العالمية للرواية العربية تأكيد على أن الإبداع الخليجي قادم، وأن الخليج ليس فقط نفطاً وغازاً أو ثروة طارئة، فالمنافسة لم تكن سهلة عبر عدد من الروايات قد بلغت في مجملها (133) رواية من كافة العواصم العربية. كما أن المبدع الخليجي لم يعد يخشى من طرح همومه وآلامه وأحلامه في جرأة وواقعية. ولا يقتصر الأمر على خلق هذا النسيج الجميل والممتع، بل إن الكاتب يملك رصيداً زاخراً من ثقافة الفلبين ليس فقط عبر خلق خيوط روايته، بل يملك القدرة على خوض غمار الحياة المتواضعة لسكان مدن الصفيح والأحياء والأماكن الراقية، وهو على اطلاع بسيرة الفلبين وإلا ما استحضر سيرة الأبطال الشهداء المسلمين الذين دفعوا حياتهم ثمناً من أجل حرية واستقلال وطنهم، وتحولوا إلى رموز في بلد يمتزج فيه دم المسيحي مع دم المسلم في صراعهم مع الغزاة.

وهكذا يعود (عيسى، هوزيه، خوسيه، جوزيه) مرة أخرى إلى وطن الأم بعد أن لفظه وطن الأب، تأكيداً على بقاء التقاليد والأعراف مترسّخة وضاربة في تراب الوطن.

لا يهم سوى الحفاظ على الموروث، في ظل متغيرات شملت العالم، ومع هذا فإننا نقول إن هناك العديد من الاستثناءات عبر خريطة دول المنطقة. أو كما يقول الكاتب على لسان (ريزال) «إن الذي لا يستطيع النظر وراءه، إلى المكان الذي جاء منه، سوف لن يصل إلى وجهته أبداً.»

 موضوعات أخرى