أنثى «الليالي» تتجلّى شعراً

عبدالنبي فرج

بصرف النظر عن التقسيمات النقدية المدرسية للشعر من المدارس الأدبية للتنظير الشعري من رومانسية وواقعية ورمزية وسريالية، إلخ. إلا أنه من خلال قراءاتي للشعرية الجديدة لاحظت أن هناك في الأفق يتبلور شكل أقرب إلى الاتجاه الرومانسي الجديد في قصيدة النثر، نوع من الرومانسية التي تحمل في داخلها كل مميزات المدارس الأدبية الفاعلة،في رمزية وسريالية وواقعية، إلخ. متخلصة من أمراض الرومانسية البائدة، فلن يخدعنا العنف والقسوة في شعرية فتحي عبد الله مثلاً للكشف عن الروح القلقة المعذَّبة والمحبة، أو الاختفاء تحت الرصد الموضوعي للأشياء البسيطة المقتصدة عند إبراهيم داوود في اكتشاف الرومانسي الحالم، أو الروح الساخرة الشفيفة عند إيمان مرسال، أو المتأملة عند أسامة الديناصوري في عين سارحة، أو عند جرجس شكري، أو السريالي المتدفق عند أسامة الحداد أو الرومانسية المفرطة في قصائد محمود خير الله، وعماد أبو صالح، وكريم عبد السلام، أو الرمز والأقنعة عند العاشق المتخفي عند الشاعر محمود قرني. فمنذ ديوانه الأول والأنثى بتجلياتها وأقنعتها هي محور عالمه فمرة تكون هذه الأنثى، كما أشار الناقد صبحي حديدي في ديوان (الشيطان في حقل التوت)، نخلةً أو الأنثى الحلم المستحيل في ديوان (الغرقى).

وفي ديوانه (لعنات مشرقية) الصادر حديثاً عن دار الأدهم للطباعة والنشر نجد الأنثى الفاعلة. في هذا الديوان يدخل عالم ألف ليلة وليلة وسحر الأسطورة الذي يخايله ويتألق ليجدلها في نص، أو يقطف وردة ليزين بها مفتتحاً لنص، أو يعيد صياغة أمثولة. لكنه لم يتخلَّ أبداً في أي ديوان من دواوينه عن روح ألف ليلة التي تحلِّق دائماً في روح الشاعر أو تبدو كوشم مطبوع على حواسه وجسده، ومن البداية تعلن الذات الشاعرة لكليهما الليالي /الأنثى/، عما يكشف عنه مفتتح الديوان، المأخوذ بتصرف عن ألف ليلة وليلة :

«يا وجهَ الأحباب،

إن أصبهان بلادي،

وَلِي فيها بنت عَمٍّ كنتُ أحبها،

وكنتُ مُتولعاً بها،

فغزانا قومٌ أقوى منا

وأخذوني في جُمْلة الغنائم

كنتُ صغيراً فقطعوا إحْلِيلِي،

وها أنا عَلَى حالي،

بَعْد أنْ باعوني خادماً..

تَقَدّمْ يا «أنس الوجود»

فـ «الورد في الأكمام»

تركتْ اسمَكَ عَلَي فَمِ طائر القمري

لَكِنْ لا تنس من يريدون أن يفكوا قيودهم.. »

إن شرط الانعتاق من سجن النأي والاقتراب من معيتها «الأنثى» هو إبطال الذكورة ليكتسب ثقة ورد الأكمام- الملاكة- الأميرة- كعاشق طهراني منزَّه عن الدنس، وخادم مخلص في حضرتها. ويصبح هذا الشرط الوحيد لاستمرار هذه العلاقة المازوخية / السادية المأسوية التي تفرضها الأنثى نحو الذوات المحيطة، لتحوِّلهم إلى جثث، مثل قائد الشرطة الذي عاد جثة هامدة لأنه تجاوز المحرَّم، وهو تجاوز في العلاقة حدّ إنجاب أولاد، لذلك يموت مسموماً عائداً وراءه أولاده فقط يبكون.

وتصل ذروة المأساة في هذه العلاقات السادية /المازوخية في المقطع التالي:

في القصر الذي شقّ سراب الرمال

كانت وردة البيت العالي مريضة

والوزراء يرتدون السواد

معزوفات قصيرة يرددها الصحراويون بثبات

يؤدون التحية للعجلات الحربية

غير آسفين على ذكورتهم

التي أكلتها الرمال

ولكن هل خرجت ورد الأكمام - الملاكة - الأميرة من صراعها الذي أرادته صراعاً دامياً بدون خسائر روحية ومادية؟ بالتأكيد لا. لماذا؟ لأن هذا الصراع لا يحكمه قانون أخلاقي، بل قائم على الغلبة وعلى السطوة وكسر الإرادة، وفي كلا الحالتين هما خاسران، لأن فكرة النصر في العلاقات الإنسانية في تلك الحالة ملتبسة، فما تتصوره نصراً قد يكون هزيمة وما تتصوره هزيمة قد يكون نصراً. وواضح ذلك في النص التالي:

في المشفى صرخت بأعلى صوتها:

أيها الطبيب

ساعدني على ترميم روحي

أريد رقصة واحدة

تمجِّد العاشقات والأزهار والمخطئين

إن هذه العلاقة المشوَّهة التي تسم العلاقة بين المرأة والرجل لتنعكس بالتالي على الأوضاع السياسية والاجتماعية ليست وليدة تجربة قاسية محدودة للشاعر محمود قرني، بل هي استبطان لعائق جوهري من عوائق تحديث المجتمعات الشرقية التي ترزح تحت نير التخلف والفقر والمرض، ولذلك فتح القوس واسعاً لحوارات كاشفة وشفافة من اللحظة الآنية ومن عمق التراث ليكشف عن كَمّ الأعطاب التي تعوق التحديث، ومنها تحرير العلاقة بين الرجل والمرأة من إرث العادات والتقاليد وإعادة صياغة تلك العلاقة من جديد، بحيث تكون قائمة على الحرية والتناغم. علاقة تتخلص من التبعية والاستعباد كصفتين سالبتين إلى علاقة نِدِّية استقلالية وإيجابية.

 موضوعات أخرى