الانقطاع المرير

محسن العتيقي



بين الحياة الافتراضية والحياة الواقعية قاسم مشترك هو الحياة نفسها، غرف الدردشة، شبكات التواصل الاجتماعي، التسوق الإلكتروني... نوافذ نفتحها بضغطة زر ونعتقد أننا نقفلها بالبساطة نفسها! والحياة الافتراضية على هذا النحو المتقدم والمتسارع كما غيرت في إدارة وسائل الإنتاج فرضت واقعاً جديداً ثقافياً واستهلاكياً واجتماعياً، فكان من الضروري تأمينها بما يسمى السيبركرايم، فما يهدد حياة الناس في الواقع هو نفسه الذي يهددهم في حياتهم الافتراضية، وكما يقضون حاجاتهم اليومية عبر لوحة المفاتيح، فهم معرضون للسرقة وأولادهم ليسوا في مأمن.



وكثيراً ما سمعنا ونسمع عن عواقب مؤلمة كان مسرحها عالم الإنترنت.

انقطاع الاتصال (DISCONNECT) فيلم درامي حديث للمخرج الأميركي هنري أليكس روبين، وبطولة ألكسندر سكارسجارد وجيسون بيتمان. الفيلم يسلط الضوء على الحدود الواقعة بين ما هو افتراضي وما هو واقعي من خلال سرد قصص مثيرة تعكس التعقيدات المجتمعية والفردية الناجمة عن إساءة استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة.

يصوِّب الفيلم زاوية النظر الأولى نحو شباب في أجواء صخب غير اعتيادي، شخوصه يافعون. أحدهم دخل غرفة مشرعة على العالم من خلال حاسوب. مراهقون آخرون في الشارع العام يسخرون من لاعبي كمال الأجسام. في مكان آخر موظفون تجمهروا أمام مكتب زميلهم لمشاهدة فيديو على اليوتيوب. ثم تتسلسل ثلاث قصص مأساوية كان مسرحها الأول فضاء الإنترنت وسرعان ما انتقلت إلى أرض الواقع.

مأساة الفيلم المركزية سببها لعبة صبيانية قام بها زميل لـ (بِن) في المدرسة يدعى (جايسون)، حيث قام هذا الأخير رفقة زميل له بإنشاء حساب مزيف على الفيس بوك تحت اسم (جيسكا). وأرادا بفعلتهما استفزاز (بِن) الشاب الانطوائي الذي لا يخالط أحداً في المدرسة ولا ينزع سماعات الموسيقى من أذنيه. وهكذا ينجحان في استدراج (بِن) إلى تصديق (جيسكا) المستعارة، فيتعلق بها ويرسل لها صورة مثيرة بطلب منها. ولما اكتشف (بِن) أن الصورة قد انتشرت في المدرسة دخل في حالة اكتئاب أوقفته عن كل شيء بما في ذلك إتمام تأليف معزوفته الموسيقية.

في مشهد مؤثر، وبينما كان صوت موسيقى الهاردروك يصدح من الغرفة توجهت أخت (بِن) نحو الغرفة لتجده معلقاً في مشهد انتحار غَيَّرَ حبكة الفيلم من شخوص تبحث عن التسلية إلى فواجع مريرة، ومن حالات الاتصال إلى انقطاعه، إذ سينشغل والد (بِن) المحامي بالبحث عن دواعي إقدام ابنه على الانتحار بكيفية مفاجئة وغامضة. وفي قصة ثانية يفكر (ديريك)، زوج أفلس تماماً، بالانتقام من شخص اخترق حاسوب زوجته وسرق بيانات بطاقات الائتمان، وكانت الزوجة نتيجة برود زواجها بصدد إقامة علاقة حميمة مع المخترق (ستيفن شوماخر) الذي خدعها. وتشاء الحبكة أن من سيساعد الزوج في البحث عن مصدر الاختراق، هو والد فاشل لـ(جايسون) يعمل محققاً في (السيبركرايم).

القصة الثالثة تحكي عن صحافية، ارتبطت بشاب يدعى (كايل) وهي بصدد إنجاز تحقيق حول عمله في غرف الدردشة الجنسية، وبينما تحاول إخفاء مصدرها الصحافي يتدخل الأمن الفيديرالي على الخط لاكتشاف شبكة تستغل القاصرين عبر هذه الغرف.

الجميع في متاهة التخلص من الورطة. تتداخل القصص الثلاث فيما بينها، وينجح المخرج هنري أليكس روبين في تشبيك شخوصه على منوال واحد.(ديريك) الزوج الذي بقي طوال الفيلم يقتفي أثر سارق بيانات بطاقته الائتمانية في لحظة الإمساك به والانتقام منه، يتصل محقق السيبركرايم ليخبره أن الرجل بريء وأنه حصل خطأ في تحديد مصدر الاختراق. والد (بِن) يتمكن من معرفة هوية (جيسكا) الحقيقية ويتجه صوب بيت الشاب (جايسون). وهناك يصطدم بمحقق السيبركرايم الذي كان قد مسح آثار الرسائل المتبادلة بين (بِن) و(جيسكا/ جايسون) حتى لا يكتشف أمر ابنه. وفي القصة الثالثة تفلت شبكة غرف الدردشة الجنسية من المطاردة، ويستطيع (كايل) الهروب رفقتها.

في لحظة اكتشاف الحقيقة، دخل الأطراف في صدامات وعراك متبادل، لكن لا أحد انتقم من أحد، ولا الأمن الفيديرالي ولا السيبركرايم كانوا أبطالاً بين القصص. وبينما ارتفعت موسيقى حزينة لملمت القصص الثلاث جراحها على نغمات هذا اللحن الذي ألَّفه (بِن) ولم يكمله.

في المشهد الأخير يوجد (بِن) بين الحياة والموت داخل غرفة الإنعاش، وكان الأبوان قد انصرفا في مشهد سابق، بينما بقيت الأخت بجوار أخيها الغائب عن الوعي، همست الأخت الصغيرة في قرارة نفسها، ولحن أخيها لم ينقطع: أرجوك لا تتركني وحدي معهما. هذه النهاية الحزينة التي تعكس عادة حالات التفكك الأسري في المجتمع الأميركي أراد فيلم «انقطاع الاتصال» أن يعيد طرحها بأسلوب سينمائي وتربوي يضع مسألة سوء استخدام الفضاء الإلكتروني على محك الأسر والمجتمع والحكومات.

 موضوعات أخرى