العياط والاعتباط

عبدالوهاب الأنصاري

لا يزال أمرُ اللغات في داروينيَّتها مبعثاً للدهشة: المعاني تمر بطفرات، وتتطور، وتنقرض، وينمو منها أجناس جديدة، والبقاء للأصلح! لننظر إلى بعض الكلمات. يروي جهاد الخازن في بعض ذكرياته قصة اصطحابه لسمير، وهو أردني، إلى السينما وهم في بيروت:

وكان أمامنا رجل ضخم طلب منه سمير أن يزيح رأسه قليلاً، فلم يفعل، ورفع سمير صوته فاستدار الرجل وقال له: ليش عم بِتْعيِّط؟ وردّ سمير: أنا ما بْعيِّط. إنت بِتْعيِّط. وتدخلتُ محاولاً إفهامَ المواطن الأردني أن «تعيِّط» بالعامية اللبنانية تصرخ، وفي الأردن تبكي.

وفي مصر أيضاً تعني الكلمة ما تعنيها في الأردن، حيث يكرر الكثيرون جملة عادل إمام المشهورة في «شاهد مشافش حاجة»: «وأنا أعيَّط!» والحق أن ما بين الصراخ والبكاء جنس مشترك. وفي البلدان المغاربية تستخدم الكلمة بمعنى النداء والاتصال والاستدعاء (بالهاتف مثلاً). إذن تتمحور الكلمة حول الجلبة والصوت في صورة من الصور. ولكننا لا نجد أثراً للكلمة في الجزيرة العربية في لهجاتها الحديثة. ما الذي نجده في القواميس القديمة لكلمة «عَيَط»؟ تعني الكلمة في المقام الأول طول العنق، ومجازاً «الأبيّ الممتنع». وفيما انقرض من معنى على ما يبدو: «والعائِطُ من الإِبِلِ: ما أُنْزِيَ عليها فلم تَحْمِلْ». ثم يمضي قاموس المحيط بعد سرد المعاني الأولى شارحاً:

والتَّعَيُّطُ: أن يَنْبُعَ حَجَرٌ أو عُودٌ، فَيَخْرُجَ منه شِبْهُ ماءٍ، فَيُصَمِّغَ أو يَسِيلَ، والجَلَبَةُ، والصِّياحُ، أو صِياحُ الأَشِرِ، والسَّيَلانُ.

والعِيطُ، بالكسر: خِيارُ الإِبِلِ، وأَفْتَاؤها. وعِيطِ، بالكسر مَبْنِيَّةً: صَوْتُ الفِتْيانِ النَّزِقِينَ إذا تَصايَحُوا، أو كلمة يُنَادَى بها عندَ السُّكْرِ أو عِندَ الغَلَبةِ، وقد عَيَّطَ تَعْيِيطاً إذا قاله مَرَّةً، فإِن كَرَّرَ، فَقُلْ: عَطْعَطَ. وهذا الشرح في بعض أجزائه من نوع القاموس الذي هو بحاجةٍ إلى قاموس! ولكننا نجد أصول المعاني الحديثة: الصياح والجلبة، وهي المعاني التي غلبت ما سواها.

لننظر إلى كلمات أخرى: الاعتباط والعشوائية. بالرغم من حرص العربية على التمسك بالشوارد إلا أن المعاني الأصلية لهذه الكلمات تكاد أن تندثر. الكلمتان أضحتا تعنيان حصول أمرٍ ما دونما ضبطٍ أو انتظام. فمن العراق، مثلاً، نقرأ: اتهم مجلس محافظة ذي قار، (350 كم جنوب العاصمة بغداد)، اليوم الاثنين، وزارة الداخلية بإجراء تنقلات «اعتباطية» بهدف ترفيع منتسبيها من دون مراعاة حساسية وضع المحافظة وما تواجهه...

ومن اليمن: ...تقسيم اليمن وفقاً لمقترح فرنشتاين- بن عمر وبموافقة الرئيس هادي يقوم وفق الخارطة المنشورة على معايير اعتباطية لا علاقة لها لا بالجغرافيا ولا بالاجتماع ولا بالاقتصاد والابالهويات المحلية ولا بأي شيء آخر...

ولكن لم يكن ذلك معنى الاعتباط قديماً، حيث إن الكلمة كانت تعني أساساً الموت دون علة. ثم اضمحل معنى الموت وبقي معنى «دون علة». يقول قطري بن الفجاءة:

ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسـلمه المنون إلى انقطاع

ومثل ذلك كلمة عشواء. كلنا نعرف بيت زهير بن أبي سلمى:

رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ

تُمِـتْهُ وَمَنْ تُخْطِئ يُعَمَّرْ فَيَهْـرَمِ

فالعشواء هي الناقة التي لا تكاد تبصر. لكن الكلمة اكتسبت معنى «كيفما اتفق»، دون ضبط أو نظام. ولعل هذه الكلمة اكتسبت ذلك المعنى قديماً. وارتبطت الكلمتان (تخبط وعشواء) حتى أن كلمة التخبط لوحدها اكتست معنىً من معاني العشوائية.

من مصر نقرأ: استراتيجية جديدة للإفتاء المصرية للحد من عشوائية الفتاوى. ومن السعودية: إزالة 9 مخططات عشوائية في مكة.

لا سبيل للرجوع إلى منشأ اللغة العربية للنظر في اللغة السامية الأم. ولا سجلات لدينا أقدم من أشعار الجاهلية. لكنني على يقين أن هذه الكلمات (العياط والاعتباط والعشوائية)، بل والكلمات كلها، كانت تعني أموراً أخرى ضمن أفلاك معانيها.


 موضوعات أخرى