صحراء الشك

شيرين أبو النجا

بلدة الوعرة لا يربطها طريق إسفلتي بمدينة موط، عاصمة الداخلة. وفي الوقت ذاته تبعد موط حوالي 200 كيلومتر عن الخارجة بالوادي الجديد. أهي منافي الرب التي يقصدها أشرف الخمايسي في روايته التي تحمل نفس العنوان (الحضارة للنشر، 2013). لا يبدو الأمر مباشراً لدرجة اعتبار الموقع النائي منفى، فمنافي الرب التي ترمي إليها الرواية على مدار أكثر من 400 صفحة من القطع المتوسط يصنعها الإنسان في عقله، ثم يختلق لها بضعة أساطير وقصص فيضفي عليها مسحة المقدَّس ليعيد تقديمها إلى المجتمع في شكل أمور الدين. ولكي يتناول الخمايسي هذه المنافي المصنوعة كان عليه أن يذهب إلى أكثر الأماكن تهميشاً- كما يفعل أدب الصحراء في أغلب الأحيان- على المستوى الجغرافي، والفعلي، والتاريخي، والإنساني، وليس التهميش الروائي. بهذا التهميش الذي ينتمي لعناصر خارج النص يحتفظ المكان- بلدة الوعرة- بدرجة عالية من البراءة الأولية، وهو ما يُمكِّن شخصيات الخمايسي من طرح أسئلة مربكة والخوض فيما اصطُلح على تسميته (المحرَّم) بمنتهى البراءة والسهولة. فشخصيات الوعرة تكلم الله، وتتساءل عن وجوده، وتساورها الشكوك تجاهه حتى يتغلغل الإيمان في قلوبها في النهاية. والإيمان يحتاج الشك ويستدعي السؤال. الموضوع وعر إذاً بشكل مشابه لاسم البلدة، لكن الاتساق الكامل بين المكان وطبيعته الجغرافية، بصحرائه المترامية الأطراف، المرعبة، الحانية، وبين الشخصيات بمفردات حياتها البسيطة التي لا تخرج عن الدائرة الطبيعية المعهودة من موت وحياة، وبين الكائنات الحية التي تسكن نفس المكان (ابل، نوق، طيور، كلاب، ضباع، سحالي، ذئاب) يجعل من الموضوع سؤالاً وجودياً بامتياز عن معنى الحياة ووحدة الوجود. أسئلة لا يُمكن طرحها بمصداقية إلا في أبعد مكان، وإلا تحولت إلى مجرد ثرثرة لا معنى لها.

من هنا تأتي المفارقة المذهلة التي يبدأ بها العمل، تأتي حجيزي- الشخصية الرئيسة- الأُمي الذي بلغ من العمر حوالي مئة عام رؤيا مفادها أن أمامه ثلاث ليال يموت بعدها. يعيد حجيزي اجترار (مثل النوق) كل مفردات وتفاصيل حياته وحياة صاحبيه- غنيمة وسعدون- ليحاول أن يفهم مغزى الحياة التي استغنى عنها. كأنها ولادة جديدة تماماً تخرج من رحم الموت، لحظة الكشف التي تأتي في غضون ثلاثة أيام، كأنها بداية ونهاية في آن. ببساطة كاملة يرفض حجيزي مقولة «إكرام الميت دفنه»، فهو لا يريد أن يعاني من الوحدة في الموت، حجيزي يبحث عن الونس، فيطرح سؤاله في كل مكان وعلى كل شخص ببراءة صادمة. لكن حجيزي أياً لديه ما يعزز موقفه، فقد كان والده- شديد- يعمل في تحنيط الحيوانات، وهكذا يسيطر على حجيزي هاجس الرائحة، فيسف القرض ويتمنى أن تفوح من جثته رائحة البرتقال. يتشبث حجيزي حتى اللحظة الأخيرة برفض الدفن إلى أن تأتيه رؤيا المعزي التي شرحها له المسيح (روح المسيح بالطبع)- الروح التي أتته أثناء بحثه لدى «النصارى» في جبل الرهبان عن كيفية تجنب الدفن بعد الموت. أما المفارقة الثانية فهي أن انخراط حجيزي في رحلة البحث والشك والإيمان، ينسيه أن ينهل من تفاصيل الحياة: ينسى لون عيني ابنه بكير، ينسى رائحة زوجته سريرة، ينسى أن يشكو همومه لصاحبيه، ينسى البهجة، ويدخل منافي الرب دون أن يشعر إلى أن تنتشله كلمات يسوع: «ومع أنك عشت حياتك تفكر في الموت، وكيف تهرب من الدفن، ومع أنك ضيعت مباهج حياتك، إلا أنك كنت تفتح الباب لحياة جديدة، يحياها الميت في الدنيا من غير دفن، الرواد يتعبون من أجل القادمين، أنت أيها الشيخ تحقق رغبة الآب، إلا أنك عندما تموت ستدفن» (368).

بحكاية حجيزي- التي تبدأ في الزمن الروائي بعد أن تأتيه رؤيا الموت- ينفتح الباب لحياة جديدة للمكان ولأهله، لتتحقق مقولة حجيزي لأحفاده أن كل الحكايات حقيقية، فما لم يحدث هنا حدث بالتأكيد في مكان آخر. لكن حكي حجيزي- أو بالأحرى استعادته لكل الذكريات في ثلاثة أيام- لا يسيطر عليه صوته. فهو يفسح المكان لكافة الأصوات الأخرى، فتأتي حكايات غنيمة وسعدون وبكير وسليم وسكيرة والراهب متشابكة ومتداخلة كالعاشق والمعشوق في فن الخشب. هي ليست بالتعددية الصوتية (البوليفونية) بقدر ما هي أصوات متواشجة في علاقة متكاملة غير منفصلة عن الطبقات التاريخية التي يحمل المكان بصماتها الواضحة والتي يتآلف معها سكانه، فيبدو سؤال الحياة والموت ملائماً لهذه الفيافي ووسيلة ناجعة لاستنطاقها، ومدخلاً لطرح وأحياناً نقد المقدس من وجهة نظر الدنيوي من أجل أنسنته (يظهر ذلك بوضوح في مشاكسات ومناوشات حجيزي للشيخ عليوان والشيخ مزيد، إمامَي المسجد الوحيد بالقرية).

في محاولة اجتراره للحياة بأكملها في ثلاثة أيام يعمل حجيزي (الذي يبلغ عمره قرن) كشاهد على التاريخ ومحاسباً له في الوقت ذاته، ينهل من المكان وينهل المكان منه. فهو الشخصية المغامرة- كالمكان تماماً- التي لا تتردد في التنصُّر إذا كان النصارى لا يدفنون موتاهم، وفي جلسته بجبل الرهبان يخوض مع الراهب يوأنس حواراً طويلاً حول الفلسفة المسيحية، ويعيد طرح نفس الأسئلة المتناهية البساطة- التي طالما طرحها على الجميع- فينفرط العقد تماماً في منظومة عالية الرمزية. وعبر أحاديث مكثفة يضطر الراهب إلى البوح فيعمد الكاتب إلى منحه صوتاً مستقلاً ليسرد حياته منذ أن كان صبحي الذي قتل سيرين. فندرك أن الإنسان هو الإنسان في كل الأديان. الإنسان لا يهرب إلى منافي الرب إلا هروباً من ذاته. كما تضفي براعة والده شديد في التحنيط صبغة مصرية قديمة على المكان، يعيد الحفيد سليم إحياءها ببراعته في النحت. ثم يهيم غنيمة حباً في بطله المغوار شقمق بك المملوكي الذي كتب على جدار المسجد «صليت العشاء بينكم» حتى يجيء المفتش الإنجليزي ويكشف للجميع أن المسجد ليس سوى أثر بوصفه معتقلاً بناه الأتراك. وهو المكان الذي عُذب فيه شقمق بك. ثم يمر الراهب يوأنس ويدعو ألا تنخفض مياه البئر الوحيدة ويستجيب الله لطلبه، ثم يطرح حجيزي كل تساؤلاته حول الدفن ليقنعه المسيح بقبول الفكرة. وفي الصحراء تخرج «جالة» الفارسية لغنيمة أثناء عاصفة البرد التي كادت تودي بحياته. ولا يتوقف غنيمة عن سرد حكايات البريطاني المحتل، ويتواشج مع ذلك تاريخ الواحات المصرية. المكان ليس معزولاً إذا بقدر ما هو مكتّف بذاته، معتمداً على ثرائه العالي، وهو ما يجعل حجيزي يرفض فكرة إقامة طريق بين الوعرة وموط، الفكرة التي يروج لها إمام المسجد. حجيزي هو المنفذ لإعادة كتابة التاريخ الفردي لذاته ولصاحبيه غنيمة وسعدون، وهو التاريخ الذي لا ينفصل عن التاريخ الجمعي للمكان. فكأنما موتهما والرؤيا التي جاءته في المنام كانا السببين اللذين أفضيا إلى كتابة تاريخ المكان.

تبدو «منافي الرب»، بتواشج الأصوات وانتمائها الكلي للمكان، وكأنها رحلة من الشك/التساؤل/ اليأس/ القنوط/عدم الإدراك إلى الإيمان، رحلة من البراءة إلى الخبرة، خروج من ظلمة وهرولة (كما هرولت ناقة غنيمة نحو الحياة) نحو النور. وإن كان كل ذلك يتخذ أبسط الصور الدنيوية وهى الرحلة من الولادة إلى الموت. تتكثف الأصوات والخبرات في صوت حجيزي- الشاهد على التاريخ والراوي له- الذي يعود بدوره فيضفي عليها الفردية والخصوصية. تختلف الخبرات وكيفية تلقيها، لكنها تلتقي جميعاً على إدراك حكمة الوجود ومعنى الإيمان. فقد رأى غنيمة عظمة الله في لحظة احتضاره في الصحراء، الموت وفهم أن الله لم يخلق الإنسان ليكون عبداً بل سيداً. أما سعدون فقد بدأت أولى خبراته مع موت طائر الإوز في سطل المياه لأنه لم يرض بالمقسوم (مياه آسنة في طبق مسطح)، وهو أيضاً الذي دعا الله أربعين عاماً أن يمنحه ولداً من زليخة ثم بثينة. وفي خمس دقائق مات الولد (جميل) وأمه (بثينة) حرقاً بعد أن دعا عليهما «الله يحرقك أنت وولدك» وكأن حكاية جميل بثينة تظهر في الوعرة بشكل مختلف. ينحشر رأس صالح ابن منيرة وسعدون في البئر بدون سبب سوى اندفاعه نحوه، يموت الراهبان في الجبل لأنهما لم يدركا مغزى المسيح ولم يتبعا حكمة الرب الذي لم يأمر بالنفي، تموت زليخة زوجة سعدون الأولى عشقاً وكمداً، يموت غنيمة (خلف الباب كما كان مختبئاً من العاصفة خلف الناقة)، ويتبعه سعدون (وُجد ميتاً وهو مستلق على سرير زليخة ويضحك). وفي نهاية الأسبوع يموت حجيزي تحت شجرة البرتقال وبجوار قبر سعدون صديقه الضحوك. تتعدد الأسباب والموت واحد! لا يسعى الكاتب لتأكيد هذه الفكرة مطلقاً، بل يعمل على هدمها، فالموت بعد حياة تسر الرب يختلف عن موت مجّاني أتى في نهاية حياة قضاها الإنسان في منافي الرب.

وكعادة الصحراء، وطبقاً لمعايير الخليقة، وعملاً بمبدأ أزلي- وأنا بالطبع متحيزة في هذا القول- تحتفظ النساء بمكنون الحكمة. فقد فهمت سريرة من اللحظة الأولى ما يعتمل في نفس حجيزي، وفهمت أنه بدأ يتخذ أولى الخطوات نحو النهاية، وسارت ثريا زوجة بكير على نفس الدرب (وإن كانت لا تزال تستكشف الطريق)، وكانت واثقة أن حجيزي لن يكمل الرحلة مع ولده حتى الخارجة وهو ما حدث. وتبدو سكيرة وهي ترث حكمة سريرة- كما يرث سليم براءة حجيزي- عندما تمنع سليم من هدم التمثال الذي نحته لها، ولا تبالي كثيراً بغضب أهلها. والأهم أن سيرين كانت تدرك الحياة أكثر من صبحي (قتلها وتحوَّل إلى راهب في منافي الرب). بالرغم من أن أصوات النساء لا تحتل الصدارة في الرواية إلا أنها مسموعة بوضوح ومؤثرة في تلقي الحدث الذي يظن الرجال أنهم صانعوه. وما هم إلا بمتلقين له أيضاً.

بناء روائي يشبه بناء الحياة، يشبه الحياة التي تهرب من الموت وتفكر فيه كثيراً، بناء يستعيد الحكايا، ويعيد تركيبها ليقاوم النسيان الذي يخاف حجيزي أن يصيبه بالدفن، بناء يبدأ برفض الدفن وينتهي بالقبول والرضا. وما بينهما يبدو أهل الوعرة وكأنهم حفنة من الفلاسفة الذين أعادوا صياغة المقدس دنيوياً، فيعيد أشرف الخمايسي كتابة «قصة حجيزي بن شديد الواعري، خليفة الله الحق، الذي صام عن الحياة ليعيشها أبداً، وحارب النسيان مئة عام، ففاز بالذكر ما دامت الدنيا تحيا» ص(408).

 موضوعات أخرى