جبران الأسطورة . أم الإنسان ؟

شعبان يوسف



عندما رحل الشاعر والكاتب والفنان جبران خليل جبران، انخلعت له قلوب وأقلام في شتى بلاد الشرق العربي، ورثاه أعلام من الشعراء والناثرين، وأقيمت التآبين الكثيرة المجللة بحزن فائق، لما قدمه هذا الفنان للشرق العربي، وأبان عنصره وقيمته ومحتواه عند الغرب الأميركي على وجه الخصوص، وأثبت أن الثقافة العربية من خلاله ليست ثقافة أطلال ودوارس وحروب، ولكنها ثقافة سلام وحب وحضارة، وكان الراثون يرددون مقولته: «أنا مسيحي ولي الفخر بذلك، ولكنني أهوى النبي العربي وأحب الإسلام وأخشى زواله، إنني أسكن المسيح شطراً من حشاشتي ومحمداً الشطر الآخر، أنا شرقي ولي الفخر بذلك، ومهما أقصتني الأيام عن بلادي، أظل شرقي الأخلاق، سوري الأميال، لبناني العواطف.»، هكذا كان يغني جبران، وهكذا كان يردد معه وخلفه محبوه وعارفو فضله على الثقافة العربية.

ولم تكن كتاباته الفكرية والشعرية والقصصية، إلا حالة تأمُّل ممتدة وعميقة على مدى حياته القصيرة جداً بحكم وجوده الجسدي والملموس، ولكن هذه الحياة طويلة بحكم أثرها الخالد في البشرية التي مازالت تعيش حتى الآن بين معاني أفكاره وإنسانيتها العالية حيث إن أفكاره تتجاوز الأسوار التي تصنعها الدول والحكومات، ورغم أنه رحل منذ زمن مبكر في حياته إلى البلاد الأميركية، إلا أنه كان يغني لبلاده دوماً، وفي ذلك كان يقول: «في تلك البلاد الممتدة من قلب الهند إلى جزائر الغرب، المنبسطة من الخليج الفارسي إلى جبال القوقاز، في تلك البلاد التي أنبتت الملوك والأنبياء والأبطال والشعراء، في تلك البلاد المقدسة، تتراكض روحي شرقاً وغرباً وتتسارع يمنة وشمالاً، مرددة أغاني المجد القديم محدقة بالأفق لترى طلائع المجد.». لذلك كان جبران مناخاً وطقساً وحالاً يحيط بقرائه ومحبيه وحافظي مآثره، وعندما رحل في العاشر من إبريل/نيسان عام 1931 كان رحيله صدمة كبرى للناس، وتعاملوا معه كأسطورة خالدة، وهكذا كتب الذين رثوه ونعوه وأقاموا له التآبين الكثيرة.

هذه الأسطرة لم تعجب أقرب الناس إليه، وأكثرهم حباً له وتداخلاً معه وأشدهم معرفة بحياته، وهو الشاعر والناثر والأديب والشريك في الرابطة القلمية ميخائيل نعيمة، والذي تردد في الكتابة باستفاضة عن رفيقه، واحتار بين ضميره الذي يريد أن يتحدث عن رفيقه الإنسان الأرضي، والذي هو بشر مثلنا، ويريد أن يخلصه من الهالة الأسطورية التي أنشأها تعاطف وانجذاب الناس له، وبين إغضاب هؤلاء الذين عشقوه بضراوة، ولكنه في النهاية حسم اختيار ضميره، وكتب كتابه الذي أحدث دوياً آنذاك، واعتبره كثيرون بوضوح أنه خائن للأمانة، وخائن للصداقة، وتساءلوا: «إذا كان نعيمة يعرف كل هذه الأخبار والمعلومات عن جبران، فلماذا ادخرها لما بعد رحيله، ولم يقلها في حياته؟»، وتفجرت قضية «هل الانحياز للضمير هو الفيصل في هذه القضية، دون الأخذ بصدمة الناس؟»، وتصدت أقلام للكتاب الذي صدر بعد رحيل جبران بخمس سنوات، أي عام 1936، وعاش نعيمة بعد ذلك أكثر من خمسين عاماً يتلظى نار منتقديه، إذ كان رحيله منذ ربع قرن تماماً في 22 فبراير/شباط 1988، وكان أشد مهاجميه الكاتب والأديب والمترجم «فيليكس فارس»، وهو صديق حميم للاثنين، وقريب منهما جداً، فشَمَّر عن ساعده وراح يكشف عن غضبه المعلن تجاه ماكتبه نعيمة، واعتبره نقيصة كبرى له، وعاب عليه هذا الأسلوب الملتوي في الكتابة، إذ آثر نعيمة في كتابه استعارة لسان جبران منذ الطفولة، فأنطقه مالا يصح، يقول فارس: «لعل الصديق نعيمة وهو يريد تخليد صورة حية كاملة لجبران، تخير هذه الطريقة مأخوذاً بأسلوب كبار الروائيين فأتانا بالكثير مما أتى به فيكتور هوكو في فصل عاصفة في جمجمة من كتاب البائسين، غير أن المؤلف فاته أن جان فالجان إنما هو خليقة واضع الرواية، فكان له أن يبدع ضميره كما أبدع شخصه، في حين أن جبران خليقة الله، وليس لأحد أن يتصرف بضميره ويضع في سرائره الروح التي يختارها له.».

ولأن نعيمة أراد أن يعري شخصية جبران كاملة منذ الصغر، راح يتقمص حياته كاملة، ويتحدث عن مواقف لصديقه منذ الطفولة الباكرة، عندما بلغ جبران سن الرابعة في بلدته «بشرّي» في لبنان، وهذا ماخالفه البعض، واعتبروا أن جبران هو الذي كتب حياته بنفسه كاملة متناسقة، ولذلك جاءت كفصل رائع في سفر الإنسانية الحائرة الباكية، وهنا يكتب فيليكس فارس، مترجَم «هكذا تحدث زرادشت لنيتشة»: «من العبث أن نفتش في حياة أبطال الفكر عن منشأعبقرياهم وعما نظن أنه كان الباعث على ظهورها ملقياً عليها تعديلاً خاصاً من طبيعته، من درس بإمعان حياة أفذاذ الدنيا إنما يقف مندهشاً من التناقض الذي يتجلى غالباً بين بيئاتهم وبين نتاج أفكارهم، فكم من باكٍ يضحكك، وكم من ضاحك يبكيك، كم من شاعر تشع قصائده بالأنوار وقد ألهمها وهو في غياهب السجون، وكم كاتب سكن القصور وجَرَّ برود العز يربط على فلبك بإنشائه فيزج بك في سراديب البؤس، ويذيقك من خياله أمرّ ما يتجرع الأشقياء في الحياة، ما كان من نعيمة إذاً ليقصد باستعراض مايقول إنه عن حياة جبران أن يحلل مذاهب هذا العبقري أو أن يأتينا بتفسير لتآليفه ورسومه، ومن قرأ كتاب نعيمة لايجد فيه ما يزيد علماً بشخصية جبران الروحية والادبية التي تتجلى بوضوح في آثاره، فما هذا الكتاب إلا قصة لحياة جبران المادية، أو بتعبير أو في رسوم لجانبي الطريق التي قطعها جبران من سريره إلى قبره، ومثل هذه القصة لها شأنها في نظر أصدقاء الفقيد بل في نظر الأنسال الآتية التي تصل آثاره، ولو أن نعيمة وقف عند حد تصوير هذه المشاهد دون أن يحاول إدغام أكثر خطوطها في الخطوط الروحية والأدبية التي رسم جبران نفسه من إشراقها وقتامها، إذاً لكان آمن العثار في تحفته الأدبية التي تعد بحق من روائع الإنشاء العربي في هذا العصر، ولكن نعيمة أراد أن يستعير من جبران الرجل مايكمل به جبران المفكر، فلم يوفق إلى قصده، وليس لأحد أن يبلغ مثل هذا القصد في درس نفسه، فكيف به وهو يرسل مجسه إلى أقصى سريرة غيره؟».

«قال نعيمة في مقدمته إنه أراد أن يصور من جبران صراعه المستتب مع نفسه لينقيها من كل شائبة ويجعلها جميلة كالجمال الذي لمحه بخياله وبثّه بسخاء في رسومه وسطوره.».

ولا تخلو مطولة فيليكس من ظاهر المديح لنعيمة، ولكنه يبطن الغضب والهجوم فيبدي إعجابه الوقتي بالكتاب ثم يستطرد: «ولكني، كلما صدمني من هذه الصفحات كلام يعزوه المؤلف إلى جيران في مخاطبته الناس أو مناجاته ضميره، كنت أشعر بثورة في نفسي فأمد أناملي لأقبض على السطور والحروف أقتلعها كأنها أعشاب غريبة ألقت بذورها الرياح الهوجاء في هذه الحقول الزاهية بالأزهار الأصيلة فيها.». وظل فيليكس فارس يروح مادحاً ويجيء قادحاً في عريضة دفاع متينة ببلاغتها وأسانيدها ومحبتها عن كاتب وشاعر وفنان وإنسان غني للإنسانية جمعاء دون اعتبارات للون ولا لعنصر ولا لدين، ومازالت الإنسانية تردد هذه الأغاني التي أصبحت مساحة ممتدة في الزمان والمكان، وستظل ترددها طالما هناك من ينشدون السلام على الأرض.