الكل منشغل بالثورة

عمر قدور

من المتوقع أن تقدّم ثورة طال أمدها وتشعبت مساراتها، كالثورة السورية، مادة خصبة ومغرية للأدباء والكتّاب عموماً. وبخلاف ثورات الربيع العربي الأخرى، كان هناك فسحة زمنية كافية هنا ليكتب هؤلاء من قلب الحدث، بعد أن بات عمر الثورة يُقاس بالسنوات، لا بالأيام على غرار الحدث التونسي أو المصري. غير أن هذه الفسحة الزمنية، وهي تمنح مجالاً للتأمل الضروري، لا تحجب المحاذير الدائمة من الوقوع تحت أسر الانفعالات الآنية، وربما الوقوع تحت ضغط الأولويات اليومية، بخاصة إزاء حدث يبدو بطبيعته متبدلاً ومفتوحاً على النهايات والدلالات المتباينة.

لا تغيب هذه الاعتبارات عن ذهن السورية مها حسن وهي تستهل روايتها «طبول الحب»، الصادرة عن دار الريس بعد ما يقارب السنة والنصف من اندلاع الثورة، وضمن المغامرة المتوقعة من قبل الكاتبة تذهب بطلتها، المترجمة أصلاً والكاتبة لاحقاً بتحريض من الثورة، إلى اعتبار ما ستكتبه محاولة بحثية فنية، فالكتاب بحسب الراوية أيضاً «مزيج من الواقع والبحث والمشاعر القوية التي تستحق أن تأخذ وصف الإبداع».

انطلاقاً من شقتها الصغيرة في باريس تحدد الراوية ريما خوري طبيعة كتابها المقبل، والذي سيأخذ مساره الفعلي كسرد لرحلتها إلى وطنها الأم سورية بهدف معايشة الثورة عن كثب، وأيضاً بهدف الالتقاء بحبيب ثائر لم تعرفه إلا افتراضياً على مواقع التواصل الاجتماعي.

ريما خوري، المنحدرة من أم مسيحية وأب مسلم، تبدو نموذجاً مُرضياً للتعايش المأمول بين مكونات اجتماعية متباينة، على الرغم من فشلها شخصياً في تجربة الزواج من شاب مسيحي أبقت على لقب عائلته لقباً لها. لكن جذورها العائلية المختلطة، إن جاز التعبير، تشكل لها هاجساً ثقافوياً لإثبات فكرة التعايش على المستوى الاجتماعي ككل. فتنوع المنابت الاجتماعية يطلّ من الرواية في كل لحظة ليذكّر القارئ بالفسيفساء السورية، وأبعد من ذلك بانسجام عناصرها، بحيث يظهر الاختلاف في الرؤى كاختلاف محض ثقافي أو سياسي فردي، فلا دور فعلياً تباشره الإشارة إلى تلك المنابت المختلفة سوى نفي تأثيرها في تشكيل الميول والأهواء الشخصية، ومن ثم اعتبارها مصدر غنى وتنوع فحسب.

ما قد يصحّ كخلاصة عامة، ومن دون الوقوع في فخّ النقاء أو المثالية الاجتماعية، تصرّ الراوية على أنه يصحّ في كل تفصيل من تفاصيل سيرتها قبل الثورة وفي أثنائها. لذا لم تكن عودتها إلى سورية محفوفة بأي نوع من أنواع الجفاء أو الإنكار الاجتماعيين، باستثناء مواجهتها مع أبيها الرافض أصلاً لزواجها، أما عمها أو أبناؤه وزوجته التي سبق للراوية في صغرها أن رافقتها إلى المسجد فلم يتوقفوا أبداً عند زواجها المدني في بلد آخر، على الرغم من عيشهم وتأقلمهم مع بيئة محافظة بالقياس إلى شخصيتها المتمردة. قد نجد تبريراً لغياب ردود الأفعال الاجتماعية بانشغال الجميع بالثورة ومآلاتها، مثلما يُبرر غرام الراوية الافتراضي بيوسف ومسارعتها إلى مغادرة دمشق والسفر إلى حلب للقائه أول مرة، مع أن دمشق كانت تزخر بالحراك الثوري بخلاف حلب الهادئة نسبياً آنذاك.

الكلّ منشغل بالثورة، سواء أكان معها أم ضدها، بمن فيهم سائق التاكسي «الكردي» الذي يقل الراوية فور وصولها إلى دمشق، والذي يدلل على وعي عالٍ يتم تبريره بحصوله على شهادة عليا. هكذا تستلهم الرواية مادتها الأساسية من آراء الشخصيات في عرض بانورامي يتوسع مع الحركة الجغرافية للراوية، فضلاً عن المادة التسجيلية التي تبثها وسائل الإعلام المتابعة للحدث السوري. عطفاً على ذلك يُصادف أن يكون الحبيب الافتراضي يوسف من بلدة «كفر نبل» التي ذاع صيت لافتاتها في أثناء الثورة، ويحدث أن علاقة الراوية ليست مستجدة بتلك البلدة، إذ سبق لصديقين منها أن أُغرما بها في أثناء دراستها الجامعية في دمشق؛ الأمر الذي يضعها على تماس بإحدى الأيقونات الثقافية والسلمية للثورة في الوقت الذي تتوق فيه للذهاب إلى حي «بابا عمرو» الذي كان حينها رمزاً للصمود والمقاومة المسلحة.

حلب هي مدينة الأب، وليس من قبيل المصادفة أن تأخذ مساحة واسعة بالقياس إلى دمشق التي عاشت فيها الراوية حياتها قبل مغادرة البلاد، مساحة واسعة لا من النقاشات فقط، وإنما من الخبرة المكانية أيضاً ما يمنح الرواية حميمية كان مفتقدة في أمكنة أخرى. إلا أن الرواية تغامر بحشد عدد أكبر من الشخصيات والمعطيات، أيضاً وفق المعطى المسبق عن التنوع الاجتماعي، لذا تحضر في المكان شخصية هنادي النسوية بعيداً عن مدينتها الأم «السويداء»، ويتم استحضار ذلك الغرام المراهق الذي يرجع إلى زيارة قديمة لبيت العم، الغرام الذي يصادف أن طرفه الآخر شاب كردي أيضاً. لكن المساحة الأوسع أيضاً تُفرد لنقاشات مستفيضة عن الثورة تتراوح بين التخوف من مآلاتها أو التحفظ على سوية الوعي التي تحركها، وبالتأكيد الحماس لها.

تبدي ريما خوري، مع انحيازها الواضح للثورة، استعداداً كبيراً للإنصات إلى الشخصيات التي تتنقل فيما بينها بأريحية، وعلى العموم لا يظهر واقع تلك الشخصيات ضاغطاً عليها بالقدر الذي يفرض فيه قناعات أو توجهات بعيدة عن انسجامها الداخلي.

لعله قدر الراوية أن تعود إلى المكان الذي يحمل منبتها العائلي وتموت فيه، ففي خضم حماسها لا تفوت فرصة الاشتراك في مظاهرة لطلاب جامعة حلب، في اليوم ذاته الذي يُفترض أن تلاقي فيه لأول مرة حبيبها الافتراضي. هناك، في تلك المظاهرة، تستخدم قوات النظام الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، وفي ذات اللحظة العارمة والمخضبة بالدماء تكتشف ريما خوري أن حبيبها يوسف موجود في المظاهرة نفسها؛ لقاء لا يُكتب له أن يتمّ لأن الرصاصة التي أصابت رأسها كانت أسرع منه.

على العموم تبدأ الرواية بنيّة ووعد بالتجريب، فهي تعتمد أولاً على الإضاءات السريعة والقصيرة، وتخلط التسجيلي بالدرامي، إلا أن الحماس الذي غالباً ما يشوب الرومانسية الثورية يسوق النص بعيداً عن ممكناته الأولى. هكذا لم تحمل قصة الحب الافتراضي تأويلات مختلفة عن الحب الواقعي، بل بدا مع السياق متماهياً مع ما هو معهود عن الأخير، وإنما بقيت شخصية يوسف نوعاً من الحبيب/ الحلم، لذا لم يكن مقدراً للراوية أن تصطدم به واقعياً. أما الخلط بين التسجيلي والدرامي فقد تكفلت به شخصيات الرواية بالنيابة عن الحوارات التي كثيراً ما تدور بين المثقفين في شؤون الثورة على شبكات التواصل الاجتماعي، وكأن الرواية اختارت أن تسعى لتكسو تلك الآراء شخصيات واقعية، بدلاً من البدء بالأخيرة وتركها لممكناتها وأهوائها.

بخلاف رواياتها السابقة تتخفف مها حسن من مغامرة النص لتصبح الثورة هي المغامرة البديلة، ولأن الانحيازات التي تحيط بالثورة لا تقبل تأويلات متعددة تتخفف اللغة من حمولاتها غير المباشرة لتذهب إلى مقاصدها بلا تعرج أو «تأتأة». ربما تكون رواية «طبول الحب» أقرب لتوثيق لحظة من لحظات الثورة من وجهة نظر المثقفين الذين حفلت بهم الرواية، وربما لم تكن عارضة تلك الإشارة في إحدى محطات النص إلى كتاب سيمون دوبوفوار «المثقفون»، فالرواية تعكس تفاعل المثقفين مع الثورة أكثر مما تعكس تفاعلات الثورة وأغوارها العميقة، هذا بالطبع ليس حكْم قيمة ولا يُنقص من قيمة النص، إذ من يستطيع الزعم بأن المثقفين ليسوا جزءاً من الثورة أيضاً؟!

 موضوعات أخرى