افتتاحية العدد
قراصنة الفضاء الإلكتروني

استبشر الناس خيراً بمنتوجات الثورة التقنيّة والتحوُّل إلى عصر المعلومات، وازدادوا شغفاً بما تُقدّمه لهم شبكة

تجربة سعيدة

أمجد ناصر

صناعة الشخصيات

أمير تاج السر

ورثة لا نراهم

ستيفانو بيني

صورة..

عبدالسلام بنعبدالعالي

عالم آخر بدأ فعلياً

عبدالوهاب الأنصاري

فنون الإبداع والسلطة

مرزوق بشير بن مرزوق

طفل البحر

هيفاء بيطار

نسخة بيروت لا تغري جهات محلّيّة ودولية «بيروت آرت فير»: استجواب للفن المعاصر

بيروت: نسرين حمود



انعقدت أيام «بيروت آرت فير» الأربعة، (من 17 إلى 20 سبتمبر/أيلول الماضي)، على إيقاع تظاهرات شعبية عمّت المدينة، ورفعت الصوت من مكان لا يبعد سوى خطوات من مجمَّع «البيال»، على واجهة بيروت البحرية، حيث المعرض.

على غرار دورات سابقة، حفّز «بيروت آرت فير» على طرح أسئلة، بالجملة، عن سوق الفَنّ المعاصر، ودعا دعوة صريحة إلى عقد مقارنات بين النتاج اللبناني الراهن في مجالات التشكيل، والنحت، والفوتوغرافيا، وأعمال الفيديو والتجهيز...، ونظيره التابع لزوايا متفرِّقة من العالم. وشكَّلَ موضع جَلَبة محبَّبة؛ إذ جمع تحت سقفه قليلاً من المهتمّين، وكثيراً من المارقين من الفَنّ، بدون إغفال الباحثين عن جمهرة من أي نوع، تكثر فيها عدسات التصوير!



في السوق السنوية الأضخم لتبادل «البضاعة» الفنّية، حضر العبث بصورة جعلت العينين فاغرتين من فرط التعجُّب، والعقل عاجزاً عن ممارسة تمرين التفكيك للخروج بخلاصة عمّا قابله، والبسمة متسلّلة إلى الفيه نتيجة تعليق لاذع، من تشكيلي مكرّس، على معروضات تلاقي صفّاً طويلاً من الناس قبالتها، مفاده أن الأخيرة تحاكي الوجبات السريعة في «تكنيكها»! بالمقابل، دغدغت العواطف سيطرة اللوحات التشكيلية على موجودات «بيروت آرت فير»، مقارنةً بدورات سابقة، حين كان حضور «الفيديو» و«التجهيز» والصورة الفوتوغرافية طاغياً.

هناك، شاهدنا الخروف «فارو» جائلاً بصحبة الفنان اللبناني غسان غزال؛ الخروف الذي لم يطلّ بصوفه المجزوز وبدنه الموشوم كأضحية تقليدية بهدف التقرُّب لله، بل كضحية للسلطة الاقتصادية المتغذّية من الصراعات السياسية، والدينية، والاجتماعية، وذلك في صورة رمزية عن العالم العربي! وهناك، عجزنا عن التقاط الجانب «الإستيتيكي» في لوحات برام ريجندرز، المولود في البرازيل والمقيم في هولندا، اللوحات التي تستعمل عناصر متفرِّقة، منها صور شخصيات «ديزني» وأجزاء من هواتف الــ«آي فون» الذكية والكثير من الطبقات اللونية، على الرغم من رسائلها الناقدة للتسليع. وهناك، راقبنا، باهتمام، تجهيز رشيد خيمون بعنوان «سلاحف السلام»، حيث طرح الفنان الفرنسي، من أصل جزائري، عدداً هائلاً من المنحوتات البيضاء على هيئة سلاحف، وألبَسَها خوذات الجنود، في إشارة إلى فظاعات الحروب. وهناك، فرحنا لمراقبة بعض من فنون الشارع، وخصوصاً «الغرافيتي»، الذي يغطّي جدران بيروت ومبانيها المخترقة بشظايا الحرب، مطروحاً ضمن صور ولوحات جديرة بالتأمُّل! وهناك، عجبنا لمجاورة أعمال فنانين مكرّسين لأخرى تعوزها الفنية، ولو أن الأخيرة مسعَّرة بمبالغ مهولة! وهناك، رأينا عروضاً تفاعلية، قوامها الإيماء والضوء. وهناك، راودتنا الملاحظة الرامية إلى الربط بين آثار السياسة والاقتصاد على الفَنّ المعاصر، الباحث، إلى جانب المساهمات الجديدة لناحية هويّات الفنّانين، عن أشكال تعبير غير تقليدية ومتجرِّدة من «الإستيتيكية» تحصر اهتمامها في تمرير الرسائل، فيما الزمن أبلغ من «يقدّسها» أو يلفظها مستقبلاً.

في دردشة لــ«الدوحة» مع مالكة «غاليري جنين ربيز» نادين بكداش، في المعرض، أخذت الأخيرة على المعرض غياب «الغاليريهات» العالمية الهامّة عن «بيروت آرت فير»، في صورة مناقضة لحال هذا المعرض حين ينعقد في دبي أو في «أبو ظبي»، على سبيل المثال لا الحصر. صرّحت بكداش لــ«الدوحة»: «أحيّي المنظِّمين على سعيهم إلى جعل بيروت الحدث من خلال هذه الفعالية التي نشارك فيها دورياً، لكننا- بالمقابل- كنا نرغب في مجاورة «غاليريهات» دولية تنافسنا من ناحية الإبداع الذي يقدّمه الفنانون اللبنانيون الذين نتبنّاهم، سواء من الشباب أو من المكرّسين، الأمر الذي لم يتحقّق- للأسف- في هذه الدورة!».

بكداش كانت عبّرت عن انعكاس غياب جامعي التحف الغربيين وأمناء «الغاليريهات» العالمية عن «بيروت آرت فير» على حركة البيع والشراء، وأقرَّت أن وضع بيروت الأمني لاعب رئيس في هذا المجال، دون أن تخفي تفضيلها المشاركة في نسخات الـ«آرت فير» خارج لبنان أكثر، بالمقارنة ببيروت.

بدوره، التقى صاحب «غاليري أجيال» صالح بركات مع بكداش، في ملاحظتها، إلا أنّه لم يشارك في هذه الدورة. تحدَّث بركات لـ»الدوحة» عن رغبته في تشجيع الحركة الفنية في مدينته بيروت، عبر هذا النشاط، لكن هذه الرغبة تراجعت أمام بعده عن التهاون في أمر المستوى. ممّا قاله بركات: «إن هدف الــ(آرت فير) هو دعوة جامعي اللوحات من الخارج لتعريفهم بأعمال الفنانين المحلّيّين حيث يدور المعرض، أو وصل الفنانين الأجانب بجامعي التحف المحلّيّين»، مضيفاً: «في مشاركاتي السابقة، كنت رفعت الصوت في شأن طبع هذه التظاهرة الفنية الهامّة لبيروت، بالخصوصية، في صورة تبقينا على مستوى تنافسي في المنطقة، كما تجعل من هذا الموعد السنوي حالة. إلا أن الواقع لم يلتفت إلى ما تقدّم، إذ تكشّف عن تأجير للأجنحة بالمتر المربَّع، من غير السؤال عن نوع أو مستوى»! وأوضح بركات أن قَصْر الفعالية الراهنة على الجمهور اللبناني وعدد قليل من الأجانب لم يحمل له أي إغراء في نقل شيء من محتويات «أجيال» الكائن في شارع عبد العزيز (الحمرا) إلى «البيال» البعيد عنه مسافة خمس دقائق!

من ناحية الحاضرين من الأجانب، سألت «الدوحة» «سابين لابروجير» من غاليري «بويون دار، BOUILLON D’ART»، ومركزها مدينة «بوردو» الفرنسية، عن رأيها في الفعالية، فتحدثت، بإيجابية، عن مشاركتها، للمرّة الثالثة، على التوالي، بهدف تقديم أعمال فنّانين جدد من أوروبا؛ الأمر الذي جذب جمهور «بيروت آرت فير»، موضِّحة أنها باعت لوحات ومنحوتات كثيرة في السنتين الأخيرتين، في بيروت.

«لابروجير» لم تأبه بالوضع الأمني المتوتِّر على بعد أمتار من «البيال»، تحت المبرِّر الآتي: «على الفَنّ الانتشار مهما كانت الظروف». أمّا صوفيا العلوي، من غاليري «نوار سور بلان، NOIR SUR BLANC» والآتية من مراكش، للمرّة الأولى، إلى «بيروت آرت فير»، بعد أن عرضت في نسخات عدة من هذه الفعالية في العالم، فقد أثنت على التنظيم وحركة الناس، وأشارت إلى أنّها قامت بشحن لوحات ستين بالمئة من الفنّانين الذين تتبنّاهم، وأنها اختارت عناصر مشاركتها البيروتية بناءً على تفضيلات ذاتية وغير عادية.

شهادة التشكيلي أسامة بعلبكي، الزائر، هذه السنة، لا المشارك، لـ«الدوحة» استُهِلَّت بكلام عن دور مرافق مماثلة، ابتداءً من التسعينيات في تشكيل حواضر الفَنّ المعاصر، والاضطلاع بدور تعريف البيئة المحلّيّة، إلى الخريطة الفنية المحلّيّة والفنون العالمية عن كثب. إلا أنّ الشاب الموهوب، حين تخلّى عن ديبلوماسيته، أقرّ أن الصدى اللاحق لهذه الفعالية غائب، لأسباب عدّة، من بينها: تلبية الدعوة من قبل ممثِّلين عن «غاليريهات» تتبنّى فنانين مغمورين في بلادهم، وانكسار أسلوب العرض المتحفي لصالح التسويق والدعاية واستعراض فنون التزيين والمفروشات. يقول: «كنت أفضّل أن يكون الجو المتحفي المتماسك مُخَيَّماً على «بيروت آرت فير»، بعيداً عن طابع الصالونات الذي يَسِمُه، راهناً».

تجدر الإشارة إلى أن عدد «الغاليريهات» المشاركة هذه السنة ارتفع إلى 42 (من بينها دارين للنشر)، بالإضافة إلى عشرة عارضين في مضمار «الديزاين».

 موضوعات أخرى