محمد الناصر .. درجات الواقع

يوسف ليمود



ثورة اللون.. بين الضوء والظل. هو العنوان الذي اختاره الفنان المصري محمد الناصر لمعرضه الذي أقيم مؤخراً داخل بهو مبنى السفارة الألمانية بالقاهرة. جمع الناصر في هذا المعرض مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية بداية من مرحلة التسعينيات. ضمت الأعمال المعروضة نماذج من فن البورتريه الذي تميز به الناصر، بالإضافة إلى تجربته المميزة في تناول المشهد الخليوي، إلى جانب تجاربه في رسم الطبيعة الصامتة.. وكلها أعمال تعكس سمات متعددة لتجربته الإبداعية كفنان وناقد ساهم في الحراك التشكيلي في مصر خلال العقود الثلاثة الماضية. ياسر سلطان



عمل الناصر فور تخرجه في الفنون الجميلة بمؤسسة الأهرام، وكان ينشر رسومه وكتاباته على صفحات جريدة الأهرام ومجلة نصف الدنيا، ويعد اليوم واحداً من أهم وأبرز رسامي البورتريه في مصر سواء بخامة الألوان الزيتية أو المائية، على نحو يضعه جنباً إلى جنب في الصفوف الأمامية مع كبار فناني البورتريه المصريين.

كما تتمتع أعمال محمد الناصر بحبكة التكوين بمفهومه الأكاديمي، وهو في هذا المجال يُعدّ أحد الفرسان القلائل الذين يحتفظون في تجربتهم بخط واحد وثابت في سياق تعاملهم مع البناء المدرسي للعمل الفني، وهو سياق متصل يستقي مقوماته من التعاليم الأكاديمية الرصينة التي يحاول الأخرون الابتعاد عنها أو الالتفاف حولها. وهو يحافظ على هذا السياق الذي مَيَّز أعماله عبر تجربته الممتدة منذ تخرجه في الفنون الجميلة عام 1979 وحتى اليوم.

من بين أعماله انتقى الناصر لوحة متوسطة الحجم مرسومة بخامة الألوان الزيتية ليعلقها خلفه على جدار حيث يعمل بمؤسسة الأهرام. تمثل هذه اللوحة سيدة ريفية سمراء، طيبة الملامح، يملك وجهها حضوراً طاغياً، شموخ وكبرياء الأم والفلاحة المصرية يتجسدان في ملامحها. ويمكن لهذا البورتريه أن يمثل بالفعل بداية جيدة لقراءة أعمال محمد الناصر؛ فهو يختزل على نحو ما تجربته الإبداعية وتكوينه الثقافي. فهو الفنان ذو الأصول الجنوبية، المتلفح بحرارة شمس الجنوب.. ومن يتأمل أعمال محمد الناصر يلمح الخلفية الثقافية المحتفية بالموروث، وهو في لوحاته يتناول الإنسان البسيط، الرجال والنساء الذين يصنعون ألق الحياة اليومي في المصانع والمزارع والحقول.. هؤلاء هم أبطال تلك الحكايات التي لا تنتهي، والتي يرويها الناصر عبر لوحاته المفعمة بالحيوية والشمس.

انحاز الناصر منذ تخرجه في الفنون الجميلة إلى تسجيل السير اليومية للبسطاء. وهو يقتنص التعبير على الوجوه بكل براعة في لحظة بعينها. ولأنه يعلم جيداً أن كل وجه يصلح للرسم، وأنه ليس كل وجه يمكن أن يتحول إلى لوحة، فهو يمارس الانتقاء في اختياراته، ويستعمل صلاحياته كفنان في القيام بنوع من الحذف والإضافة حتى يتحول هؤلاء البسطاء داخل لوحاته إلى أبطال ذوي سِحَن كاريزمية معجونة بعبق الأرض وتاريخها.

يتجه الناصر إلى الريف، وإلى الأحياء الشعبية، بين أزقة وشوارع القاهرة والحارات الشعبية الضيقة والبيوت الجنوبية، يبحث عن وجوه الفلاحين، وقد يكون المشهد الخليوي الذي يرسمه خالياً من البشر، وهو في ذلك لا يخوض في التفاصيل، بل ينتقي مفرداته بعناية، ويقوم بالتركيز على عناصر بعينها ليبرزها، وقد لا يحتل العنصر الرئيس صدارة اللوحة دائماً، وإنما يجعله خلفية للوحته، كمئذنة لمسجد عتيق، أو بوابة حجرية لمبنى تاريخي، لكنه يبرز هذا العنصر ويقدمه كأحد العناصر المحورية بين العناصر المرسومة داخل اللوحة.

تتوزع مساحات اللون في أعمال الناصر وتتقاطع مع الظلال التي تمثل محوراً أساسياً في تكوين اللوحة لديه. ويتخذ الوجود الإنساني - حين يكون حاضراً - درجة من الأهمية عندما يتناول مشاهده الخليوية، مؤكداً من خلاله على ذلك التداخل بين الإنسان والمكان عبر طريقته في تلوين العناصر والشخوص معاً، عاكساً الاندماج العميق بين البشر والمكان في وجدانه. كما أن مراوحته ما بين الرسم بخامة الألوان الزيتية والألون المائية يولّد لديه تداخلاً بين خصائص الخامتين؛ إذ يجمع الناصر في أعماله بين شفافية الألوان المائية وقوة الألوان الزيتية، بحيث تسيطر درجات لون بعينها على المشهد ككل في كل لوحة من لوحاته، كالأزرق والأصفر، ودرجات البني، والرماديات بدرجاتها وإيقاعاتها.

خارج حدود المشاهد الخليوية ورسوم الأشخاص، يجنح الناصر أحياناً إلى رسم الطبيعة الصامتة، وهو يقترب في هذه المحاولات من حدود التجريد كثيراً، وإن كان لا يتدخل في طبيعة هذه العناصر فيما يتعلق بأحجامها المعتادة، لكنه يقوم بنوع من المواءمة بين المساحات الملونة ليعيد توزيعها على مسطّح العمل، ويحوِّلها إلى مجرد مساحات من اللون تتيح له مجالاً رحباً من إعادة البناء والخلق. كما أن للظلال دورها المهم والبارز الذي يضفي على العناصر المرسومة ثقلها الظاهري، ويكسبها مزيداً من القوة والتماسك، وهي، كبقية العناصر المرسومة داخل العمل، تتكون من طبقات مختلفة ومتراكمة من اللون ومن الدرجات المتجاورة. وقد تتقاطع الظلال في أحيان كثيرة مع العناصر المرسومة فتنتج تقاطعات وتداخلات ما بين المساحات اللونية والدرجات الرمادية للظلال والضوء، لتؤدي في المحصلة إلى إعادة صياغة الأشياء والعناصر من جديد، لكن الناصر في الوقت نفسه يوفر لها حضورها الواقعي الأخاذ.

 موضوعات أخرى