حصص غير مستعملة

هيثم حسين

يعود اللبنانيّ عباس بيضون في روايته الجديدة «ساعة التخلّي»، «الساقي، بيروت 2013»، إلى مرحلة مفصليّة هامة في تاريخ لبنان الحديث، وهي المرحلة التي شهدت دخول الجيش الإسرائيليّ إلى لبنان وانسحاب المنظّمات الفلسطينيّة نحو العاصمة، ما أدّى إلى إحداث شرخ في العلاقة المكانيّة من جهة، والعلاقات الاجتماعية والحزبيّة والسياسيّة من جهة أخرى.

يقارب بيضون مرحلة سِمَتها المتناقضات والتخبّط بين مختلف الأطراف، ذلك أنّ الانسحاب الذي تمّ أفسح المجال لقوى ناشئة دخلت على الساحة بارتجاليّة، وبنوع من المراهقة الثورية.

أمام هذه الحالة المعقدة يجد عدد من الأصدقاء المتنورين اليساريّين أنفسهم في مواجهة واقع مؤلم، يعدمون وسائل تغييره، وهم الذين كانوا مسكونين بأوهام كبرى لتغيير العالم، يتخبّطون في تحليلاتهم ورؤاهم، يمتثلون لقرارات قادتهم، ثم يتغلغل إليهم التشكيك، فيجدون أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع بعضهم بعضاً، إلى أن تدفعهم الأحداث إلى هاوية الفتنة واليأس والتنازع والاختلاف. ووسط كل هذا تبرز جماعة متطرّفة تطلق على نفسها اسم (اليقظة)الشوارع، وتدور رحى حرب وفتن داخليّة أشدّ شراسة وإيذاء من العدوّ نفسه.

يقسّم بيضون روايته إلى قسمين: القسم الأول بعنوان «حصار»، والثاني «تقاطعات»، ويثبت في البداية كعادة الكثير من الروائيّين ملاحظة ينوّه فيها بأن الرواية من نسج الخيال، وإذا اتفق أنها شابهت وقائع وشخصيّات فإنّ هذا من غريب المصادفات.

في «ساعة التخلي» يقوم الرواة باستلام زمام السرد «فواز أسعد، نديم السيّد، بيار مَدْور، صلاح السايس، منال حسون»، في كل فصل راوٍ، يتعاقب الرواة من غير ترتيب واضح، يقدّمون إفاداتهم عن المرحلة الحرجة وكأنهم بصدد تقديم شهادات تاريخية للقراء والتاريخ معاً عن أحرج المراحل وأكثرها التباساً في منطقة بعينها، واللافت في الأمر، أن الشهادات غير الواقعة نفسها تكون مختلفة بحسب منظار المتحدّث، ويكون لكلّ شخصيّة تحليلها المتوافق مع توجّهها الفكريّ أو انتمائها الطائفي أو السياسيّ أو الحزبيّ.

يكتسب السرد عبر تعدّد الرواة سعة ومرونة، ويساهم في إعطاء نظرة شمولية عن المكان والمرحلة وخصوصياتها الأيديولوجية، مما يفسح المجال للقارئ للوقوف على تفاصيل الأحداث التي جرت كأنه يستعيدها بدقائقها، دون أن يقع في محاكمة أيّ طرف على حساب الآخر، لأنّ كل طرف يحاجج من وجهة نظره، ويقدّم دوافعه ومرافعته، ويشرح مراده بنوع من السجال الفكريّ الموازي لخياراته العنيفة والدموية.

وعلاوة على إنهاض كلّ راوٍ بمهمّة تقديم نفسه بطريقة مختلفة، يقدّم الرواة الشهادات والوقائع بلغة متنوّعة أيضاً، فأحياناً يكتفي الراوي بلغة فصيحة، وأحياناً أخرى تكون الفصول مطعّمة بكلمات من اللهجة المحكيّة، وقد تجد بعض الصفحات كاملة يكون الحوار الدائر فيها بالعاميّة، حتّى إن فقرات من الحوار تطول لتقارب المقطع السرديّ، وذلك يضفي جوّاً من الحميميّة على الرواية، ويضع القارئ في صلب الصراع الدائر والنقاش المحتدم.

أمّا تنويع الطبقات فيحتلّ بدوره مكانة بارزة في الرواية، فيحضر الحديث عن الصراع الطبقيّ، والصراع ضمن الطبقة نفسه، وبل وتحويل المنزل نفسه إلى مجتمع طبقات، كما في حالة صلاح السايس، القائد اللاحق في الحزب الشيوعيّ، إذ تتبدّى قصّة والده ووالدته ذروة في الصراع، تمثّل تلك القصّة تاريخاً من القمع والعسف ظلّ يؤثّر في نفس صلاح، ويحجّمه في داخله، ويرجعه إلى منبت يكون خليطاً من أكثر من طبقة، وما تخصيص الطابق الأرضي لوالدته التي كانت خادمة البيت قبل أن تصبح السيدة الثانية، إلّا تجسيد للطبقات المتمرآة في الرواية والواقع. ثمّ تكون التقطعات بدورها حمّالة للكثير من الهموم والصراعات، تمارس تحقيباً وتعرية وتقريعاً، وذلك في مواجهة علنية ومكاشفة تاريخيّة. وتكون المصائر المتقاطعة والانتقال إلى بيروت، بعد سلسلة من تصفية الحسابات والخطف والاغتيال تجلّياً آخر من تجليات الغربة التي تعيشها الشخصيّات.

لا يقتصر اشتغال بيضون على التنويع في مستويات السرد، بل يعتمد تنويعاً آخر، وهو التنويع في الخطاب، إذ إنّ الساردين الذين ينهضون بأدوارهم، يمارسون في الوقت نفسه سلطة الخطاب أيضاً؛ لا يكتفون بالتعبير عن هواجسهم الشخصيّة، بل يكون كلّ واحد منهم الناطق باسم فئة أو شريحة، وهنا يكون التلاقي والتنافر بين المخاطبين، كلّ منهم يستهدف شريحة مجتمعيّة بعينها.

يبلغ التنازع أوجه على مسائل السلاح والانسحاب والمواجهة والمقاومة والخداع والجنس والمستقبل، وتكتسب المفردة نقائضها في واقع مفعم بالتناقضات، دويّ الكلمة أكثر تدميراً من قنبلة أحياناً، تنتعش الاّتهامات والإشاعات، يتجاوز فيه الناس الأعراف الاجتماعيّة، فتكون اللحظات الحرجة مختبراً للنوايا والسلوكيّات معاً. كأنّ كلّ امرئ يعيد اكتشاف نفسه والآخرين المحيطين به من جديد، أو كأنّه يتعرّف إليهم توّاً، لأنّ المفارقة تكمن في التصرّفات المتباينة.

تتطوّر الشخصيّات، كلّ منها يسير في اتّجاه، لكنّها تبقى مرتبطة بتلك الساعة التي تستبطن أبعاداً دينيّة غيبيّة تشير إلى التخلّي عن النجدة والإغاثة من جهة، وترك الآخرين يلاقون مصيرهم دون أيّ تدخّل من جهة أخرى. الساعة تبقى زمناً مؤثّرة، ولا يقلّ تأثيرها أو يخبو وتداعياتها المريرة تظلّ فاعلة عبر السنين.

كأنّما يرمز الكاتب بعنوانه إلى ساعة التجلّي المنشودة، حين يتعرّف كلّ امرئ أو فريق إلى نفسه في مرآته الداخليّة، قبل أن يدخل في حروب مفجعة مع المحيطين به، عسى أن تتحوّل تلك الساعة إلى مواجهة وتصافٍ لا مواجهة ناريّة بقصد إدامة التخلّي التي تمرئي الوهم وتبدّده في آنٍ

 موضوعات أخرى