مثقفون خارج الدستور

الجزائر: نوّارة لحـرش



تعيش الساحة السياسية والثقافية الجزائرية هذه الأيام حراكاً بسبب الإعلان عن مشروع تعديل الدستور، تزامناً مع ظرف حساس تمرّ به البلاد. ففي وقت تحفظت فيه بعض الأحزاب والمنظمات الحقوقية على منهجية التعديل، واعتبرتها أخرى سراباً سلطوياً لا غير، ظلت النخبة الثقافية منقسمة، حيث بقيت فئة منها تلتزم الصمت، وانخرطت فئة أخرى في رواق المنشغلين بالمشروع.

«الدوحة» حاولت رصد آراء بعض المثقفين والأكاديميين الجزائريين، والإلمام بمختلف الآراء المتعلقة بالموضوع نفسه.

بهذا الشأن يتحدث الكاتب محمد رابحي: «أخشى القول بأنني لست متفائلاً بمشروع تعديل دستور. وأنا هنا لا أعمل بمنطق -المصادرة على المطلوب- وإنما أنظر إلى الأمر في مجاله الحيوي الأوسع. فلا ينبغي الاكتفاء بالنظر إلى المشروع دون احتساب مؤشرات المحيط الجيوسياسي مثلاً وحتى السوسيولوجي»، ويضيف صاحب «ميت يرزق»: «المؤكد أن المشروع سيتم طالما هو تعديل وليس تصحيحاً أو تطويراً أو ما شابه. وهذا التعديل يأتي في سياق الاحتقان الاجتماعي الذي يواكب الربيع العربي، على ذلك من الممكن جداً أن تسطر تعديلاته وفق منطق التنفيس أو الاستبدال.». و يرى رابحي أن المثقفين مستبعدين من المشاورات، إذ يؤكد: «الدستور هو معادلة علمية في جانب كبير منه. لذا لن نكون نحن - الكُتاب أو الفنانين- أهل الشأن، ولكننا معنيون لأننا نملك تصوراً للدولة الذي سيساعد حتماً في اختيار أساساتها اللازمة. وهنا أشير إلى أن خطأ المشروع يتمثل في صيغة عمله. إذ لا بد أن يعمل وفق نظام الورشة، أي على اللجنة أن تسرِّب تعديلاتها بشكل مطَّرد إلى الصحافة حتى يقوم المجتمع المدني بمناقشتها علناً وعبر وسائل الإعلام كي يتم تبسيطها بالقدر الذي يُمكِّن من إشراك العامة في تحديد مصيرها.».

أما الباحث بوحنية قوي فيقول: «أعتقد شخصياً أنه من الأهمية التفكير بشكل جاد في أراء وتطلعات النخب والأحزاب والجمعيات في صياغة الدستور.». ويضيف: «إننا في حاجة إلى الانتقال من صياغة الدستور إلى بناء الدستور، لأن بناء الدستور مسألة توافقية ورضائية يشارك فيها الجميع، وهذه رؤية تفرضها مقاربة الديموقراطية التشاركية المعاصرة لضمان بناء دستوري ديموقراطي.».

من جانبه، يؤكد الأستاذ والباحث محمد جديدي على أهمية وإيجابية التعديل: «أعتقد أنه بعد خمسين سنة من الاستقلال، ومن تجارب الحكم وتجاذباته السياسية، بما فيها من صراعات إيديولوجية، وبعد سنوات الإرهاب وكذا التحولات الاقتصادية والاجتماعية، نرى أنه لا بد من مراجعة دستورية تكرِّس الثوابت المعززة لقيم الجمهورية والحافظة للهوية الوطنية والمُطورة لمبادئ الحقوق والحريات، يقوم بها أهل الاختصاص وخبراء القانون والحقوق. ولا مانع أن توسع دائرة المراجعة إلى أهل السياسة والفكر والثقافة.». وينهي جديدي كلامه: «لا يضير في شيء أن يحين موعد التعديل الآن وربط هذا بما يحصل في المنطقة العربية من حِراك وأحداث، بل حتى خارج التوقيت سنجد لموعد التعديل وقائع نؤوِّل على ضوئها ضرورات التعديل.». في حين يرى الكاتب والروائي خالد ساحلي أن «من حقنا التساؤل: ما الذي سيُضاف إلى الدستور؟ وهل سيمرّ ذلك إلى الشعب، أم يحدث بتزكية غرفة البرلمان ومجلس الأمة؟، الحقيقة يجب التكلم دون نفاق ولا رياء، يجب احترام الدستور الذي هو مرجعية الجميع، فقد يتطلب الراهن تعديلاً لأن بعض المسائل العالقة يجب أن تُحَلّ.». ثم يذهب ساحلي إلى أن الدستور لا يجب أن يكون مرتبطاً بالأشخاص، إذ يقول: «يجب أن توضع مادة فيه، على الجميع احترامها وهي أن لا يكون التعديل بمجرد مجيء أو ذهاب أشخاص إلى السلطة لأننا نؤمن بالدولة الجزائرية لا بالأشخاص.». ويختتم صاحب «لوحات واشية»: «الدستور هو كيان وروح الدولة، ولكن ما ينقصنا ليست القوانين، بل تطبيقها.».

 موضوعات أخرى