طَرَفة بنكهة بحرية

محمد الضامن



بعد مسيرة متنوعة أنجزها لأعمال سينمائية ومسرحية يساهم الموسيقي البحريني محمد حداد مع والده الشاعر قاسم حداد في تقديم رؤية جديدة لتجربة الشاعر طرفة بن الوردة - حسب تسمية قاسم له - تنتزعه من شروطه التاريخية، ليضعا طرفة في تجربة جمالية تخاطب الجسد بكامله من الكتاب والموسيقى، فالعين.

يقدم محمد حداد ضمن هذا العمل رؤية موسيقية لطرفة بنكهة بحريةعبر الاشتغال على إيقاعات لفجري المحلية، كما تساهم ابنة الشاعر طفولة حداد بتقديم رؤيتها الفوتوغرافية لاشتغال قاسم على النص الشعري بكثافة الأزرق والبني الداكن، وصور الألبوم الموسيقي (طرفة). بكل هذه الأشكال الفنية تشترك العائلة بتقديم طرفة شاعراً معاصراً نتلمس مواجعه وتحولاته في النص الشعري كما في النص الموسيقي.

ينجح محمد حداد في تقديم سيرة موسيقية لطرفة ماسكاً بثيمة الشاعر المطرود من القبيلة الهائم وحيداً بكل وحشة وألم، ثيمة يضعها قاسم حداد في مقدمة الكتاب: ثيمة طرد القبيلة لطرفة حيث الأبيات المشهورة للشاعر ومنها قوله:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

***

يسرد حداد سيرة طرفة في تسع مقطوعات تبوح كل مقطوعة من عنوانها بفصل من حياة الشاعر، فيُعَنْون أولى المقطوعات بتحولات طرفة حيث يجوب فيها مفازات محمد حداد الموسيقية بحورات أناه المتفجرة عبر حوار الآلات الموسيقية الرئيسية:البيانو، والكمان، والفيولا، والعود. هذه الآلات التي أدمنت التعبير عن الألم في سياق علاقتها التعبيرية بدراما الوضع البشري. يقدم حداد من خلال طاقة أنغامها طرفة بكامل تحولاته الشخصية بين صراع ذوي القربى في المقطوعة الثالثة، وحبه لخولة وترحُّله إلى الحيرة في المقطوعة السابعة، وعودته لخولة في الثامنة. فعبر هذه المقطوعات يتجلى طرفة، لكن حداد يترصد عمق تجربة الذات الشعرية في المقطوعة الأخيرة ليسميها «كنيسة الجسد» جاعلاً من الكمان ذروة تفجُّر لألم الذات، والغربة، والوحدة. هذه المقطوعة كمقطوعة «ذوي القربى» التي تبدأ مع البيانو بعزف قلق ومترقب. ومع دخول بقية الآلات يرتفع الكمان بكل شحناته الحزنية وكأن حداد يعبِّر عن أصل هذا الخلل بنزاع الشاعر مع القبيلة باشتباك الآلتين في حوار عميق وآسر للقلب.

***

لا يمكن التوقف عند هذه الحدود في عمل حداد، فهذا الموسيقي المفتون بعمله وبإرثه الموسيقي الذي يتشارك مع والده في حبه للفجري يملك طموح شيطان يريد أخذ الإرث إلى غوايته. يتمظهر هذا الطموح الموسيقي فيما يريد أن يصنعه بلفجري، فإن جازت لنا المقارنة بين عمله وما صنعه زياد الرحباني بالفلكلور اللبناني والعربي منتجاً - عبر خلطة خبير - جازاً عربياً حسب الناقد الموسيقي أحمد الواصل - إلا أن هذه الفِكرة لا تلقى رضى لدى زياد رحباني حول صنيعه الموسيقي - يتضح لنا ذلك إذا سمحنا للمقارنة أن تقارب إصدار حداد لطرفة في حدود توظيفه لإيقاعات لفجري مع آلات غربية من بيانو، وكمان، وتشلو، وجيتار، وكاخون (آلة الإيقاع الإسبانية)، كما يحضر العود في جمل رئيسية عبر حوار مع الكمان والبيانو. غير أن حداد كما يبدو يقترح خلطته الموسيقية الخاصة بهذا المزيج الفريد للإيقاعات البحرية، لذلك يأخذ فضولنا للتساؤل إذا ما كان مشغله الموسيقي يسعى إلى اقتراح جاز بنكهة افجري إن صحت التسمية؟ على الرغم من بعد الجاز عنه!. هذا الحضور للنكهة البحرية نتلمسه أيضاً في صنيع قاسم الشعري حيث يعنون أحد فصول الكتاب: بكتاب البحر، والأزرق في وحدته. كما يحضر أيضاً في بهاء اللون الأزرق عبر عناوين الكثير من المقطوعات الشعرية والنثرية.

يصوغ حداد بواسطة هذا الحوار الثري للآلات الموسيقية ثيمة طرفة الرئيسية: ثيمة الوحشة وغربة الذات، وظلم ذوي القربى ومواجع العشق. ثيمة تختزن كل ألم الذات في سياق مغامرتها وتمردها على القبيلة. يموضع حداد ذات طرفة داخل هذه الحوارات الموسيقية ليعطي وحدة للعمل الموسيقي كله، فلا نشعر بنشاز بين المقطوعات، وفي سياقها تأتي الآلات المصاحبة كالرواة الذين رووا لطرفة في تيهه ووحشته، وعشقه حيث اشتركت الآلات في طقس الكمان الفجائعي وقلق البيانو في وحدته لتفضح كل غربة ووحشة عانتها ذات الشاعر في ليل الصحراء صحبة الوحش.

***

يصعب في مستوى ما مقارنة مزاج حداد الموسيقي المتشح بالحزن والجد، بمزاج زياد الرحباني الساخر والمرح إلا أن اشتغال حداد على إيقاعات لفجري، وإدخال حوارات العازفين أثناء العزف في المقطوعات الموسيقية التي برع في استخدامها الرحباني تجعل المقارنة مسموحة إذ يعرض حداد وعيه الموسيقي عبر الاشتباك مع الرحباني والمنجز الموسيقي الموروث. في السياق ذاته تحضر تجربة الموسيقي وليد الهشيم في الموسيقى التصويرية التي ألفها للعمل الدرامي «رمح النار» الذي أخرجه نجدت أنزور قبل سنوات، فقد استثمر الصوت البشري كأداة تعبير تضفي أجواء حارقة في رصد الألم ونشيج الذات. في مقطوعة فرسان الهودج يستخدم حداد الصوت البشري بذات المستوى التعبيري كما استعمله في عمله السابق «حكاية بحرينية»، غير أن عمل حداد يأتي من عمق ثقافة الموروث الموسيقي الذي يكتنزه، فالغناء البحري الثري متمثلاً في أكثر نماذجه صخباً واحتفالاً بالجسد وهو لفجري يزخر بالأصوات البشرية التي تعبر عن لحظات التوجع والنشدان من قبيل: (أوه يا مال) أو كلمة: (آه) ساحباً النهام روحه فيها إلى آخر مدى لسبر الذات وهو في ذروة تجلّيه، كما في أصوات الكورس الخاصة بالحدادي والبحري.

هذه الأصوات التي تحكي في دقة أدائها التعبيري حساً جنائزياً وتراجيدياً مهولاً يقارع بها هول المغامرة الإنسانية في صراعه مصائر البحر وكفاح الحياة. ومما له دلالته الموسيقية المرتبطة بأبعاد الشاعر الدرامية هو استخدامه للجرحان لما له من دلالة بليغة، إذ يأتي معناه من جرح القلب كما يقول الباحث والشاعر علي خليفة، حيث يصعد صوت النهام ليجرح، وينطق بالجرح في حين بقية الكورس في انسجام إيقاعي ونغمي، هذا الجرح هو صوت جرح طرفة. من هذا الإرث لا يبدو عمل حداد خارج سياق وعيه الثقافي الموسيقي حين يلجأ لتوظيف الصوت البشري في المقطوعات، لذلك تحضر ضمن هذا التوظيف إحدى المقطوعات مدبجة بجرحان قصير بصوت عبدالله جمال، لكن المفارقة تكمن في خامة الصوت، فعادة تكتنز صوت النهام قوة وسعة، وهو صوت ناشف نحسّ فيه يبوسة البحر وشدته، وعمقه نسمع ذلك في أصوات نهامين بحرينيين كبار أمثال سالم العلان، وأحمد بوطبنية صديقه ورفيق دربه، لكنها مفارقة تحمل تحولات المجتمع الخليجي، وتحول طرق عيشه حيث نلمس في الجرحان نعومة العيش وسهولته، بعد كل سنوات الشدة والجوع وصعاب البحر التي نحسها في صوت سالم العلان الأوركسترالي. ومما تجدر ملاحظته أن معظم هذا التوظيف الموسيقي الذي يقوم به أغلب من اشتغل على الإيقاعات البحرية من موسيقيي الخليج لا نلمس توظيفاً مغايراً لسياقها الإيقاعي بحيث نسمع شكلاً متطوراً، وأكثر حرية لأشكالها الإيقاعية والموسيقية المتنوعة. لعل حبي لصنيع حداد استفزّني هنا متسائلاً كلما أعدت الاستماع إليه: هل سيأخذ محمد حداد لفجري إلى مطبخ الجاز؟

***

بطرفة بن الوردة ذي النكهة البحرية يحصد حداد جائزة أفضل عمل في حفل توزيع جوائز الموسيقى العالمية في نوفمبر 2012، حيث أشادت اللجنة بعمل حداد لمزجه وتوظيفه لآلات وموسيقى الثقافات المتنوعة لينتج عملاً بنكهة عالمية. إضافة إلى هذه الخلطة يحضر حداد بكامل ثقله الموسيقي مؤلفاً وعازفاً للبيانو والكيبورد. كما سمعنا حضوره مؤلفاً وعازفاً لآلَتَي البيانو والعود، إضافة إلى الصوت في حكاية بحرينية الموسيقى التصويرية التي ألفها لفيلم بحريني يحمل ذات العنوان.

 موضوعات أخرى