المغرب .. «عصيد» في متاهة الدعاة

الرباط: عبد الحق ميفراني



تعرَّضَ، الشهر الماضي، الكاتب والناشط الأمازيغي المغربي أحمد عصيد (52 سنة) لهجمة غير مسبوقة، من طرف بعض الدعاة والجماعات المحسوبة على التيار الإسلامي، التي اتهمته بالتطاول على الإسلام، في محاضرة ألقاها خلال ندوة فكرية نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان شهر إبريل/نيسان الماضي، وذهبت بعض التصريحات إلى التحريض ضده، مستنكرة ما ذهب إليه صاحب «الأمازيغية في خطاب الإسلام السياسي» في ندوة له حول موضوع «الدستور المغربي: أية مكانة لقيم حقوق الإنسان الكونية؟»، طالب فيها الكاتب نفسه «بمراجعة المقررات الدراسية وتكريس قيم منظومة حقوق الإنسان الكونية بدل المرجعية الدينية»، كما انتقد، في السياق نفسه، تضمين مقررات مادة التربية الإسلامية معطيات دينية وصفها ﺒ «المتناقضة» و«المحرِّضة على العنف». وما زاد في تأجيج احتجاجات الإسلاميين إشارة الباحث المغربي العلماني إلى الرسالة النبوية وإلى عبارة «أسلم تسلم»، رغم أنه ركز وفي العديد من التصريحات على أنه لم يقل «إن النبي إرهابي» كما يتهمه البعض، كما أنه لم يناقش شخص النبي أو العقيدة الإسلامية، بل طالب فقط باستبعاد تدريس بعض المعطيات التي تتناقض مع أطروحة السلم. وأسهم تعميم فيديو المحاضرة على «اليوتيوب» من إذكاء غضب الإسلاميين في المغرب، لتبدأ متوالية من التصريحات والتي تواصلت حتى في منابر المساجد، في حين توالت تهديدات زعماء الحركة السلفية في المغرب والذين لم يتوانوا عن الدعوة إلى محاكمة الناشط الأمازيغي، وخَلَق هذا الصدام تشكُّل جبهتين أمست تتصارعان اليوم، والممثلتين في فعاليات الحركة الأمازيغية ورموز الحركة الإسلامية في المغرب. ولم تتخلف جبهة ثالثة في الإعلان عن نفسها، وهي حركة أطلقت على نفسها اسم «شكري بلعيد» (نسبة إلى المناضل السياسي التونسي الأسبق)، وتضم في عضويتها حقوقيين وناشطين من المجتمع المدني، ومن المشهد الفني، وصحافيون أسسوا حركة «لجنة التضامن مع أحمد عصيد»، وتدارس هؤلاء حسب بيانهم إنشاء «آلية دائمة لرصد ومواجهة كل الخروقات والممارسات التي تصادر الحق في الاختلاف وحرية العقيدة». وقد تأسست اللجنة بمقر النقابة الوطنية للصحافة في الرباط، وقامت بتوجيه رسائل إلى كل من وزير العدل والحريات وإلى رئيس الحكومة «لتحميلهم مسؤولياتهم في اتخاذ الإجراءات الكفيلة لحماية حياة وسلامة أحمد عصيد ووقف كل هده الخروقات وفتح تحقيقات في التصريحات الصادره ضده.».

ويرى العديد من المتتبعين أن ما يحدث اليوم في المغرب هو سلسلة متواصلة لحراك اجتماعي وسياسي لا تتوقف فقط عند سؤال الهوية، بحكم أن الاندماج الأمازيغي في الهوية المغربية وبعد دسترته (2011) أصبح متجاوزاً اليوم، إذ وفقاً لهذا الحراك أصبح المغرب ساحة لتراشق إعلامي بين جبهتين مختلفتين، وتحول سؤال الدين والعلمانية إلى جبهة متواصلة للصراع بينهما. وزادت فتوى المجلس العلمي الأعلى حول حكم المرتدّ من تأجيج الصراع، وأضحت الجرائد المغربية والمواقع الإلكترونية وصفحات المواقع الاجتماعية فضاءات مناسبة للجدل المتواصل.

وقد زاد اصطفاف رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بالقول إن «عقيدة الأمة المسلمة يجب أن تحترم»، من تأجيج سعار الحرب باسم «الدين». فالناشط الحقوقي أحمد عصيد لم يدعُ سوى إلى ضرورة «إعادة النظر في بعض مضامين الكتب الدراسية المغربية»، خصوصاً أن هناك نصوصاً - حسبه - تؤكد أن الإسلام انتشر بالحوار والإقناع، بينما هناك نصوص أخرى تتضمن عبارات من قبيل «أسلم تسلم» التي قد يفهم منها إما التخيير بين الإسلام أو القتل. وتلقف بعض شيوخ السلفية في المغرب التصريح المجتزَأ من خارج سياقه، وذهب بعضهم إلى وسم الناشط عصيد ﺒـ «عدو الله»، وهو ما أعاد إلى الأذهان عند اللجنة التي تشكلت لمؤازرة الكاتب ما قامت به السلفية التونسية، التي هددت في وقت سابق شكري بلعيد، بسبب مواقفه وتصريحاته.

 موضوعات أخرى