إن لمْ تكُـنْ غـنـيـّـاً فلا تعْشَـــق

نزار عابدين



ألا نستغرب ورود تفاصيل بعينها في أكثر من قصة من قصص العشق؟ لماذا تتكرر حكاية ابن العم الفقير الذي يحرمه من محبوبته رجل غني؟ وفي الشـعـر العـربي «مُرقِّـشان»: الأكبر، والأصغر. والأول عمّ الثاني، واسمه عوف بن سعد من بني بكر بن وائل، وهو من أشهر العشاق المحرومين، ولقب المُرَقــِّش لقوله:

الدَّارُ قَــــفْــرٌ والرُّسُــومُ كَــمـا رَقَّـــشَ في ظَـهْـرِ الأَدِيـمِ قَــلــمْ

كان يهوى ابنة عمه أسماء بنت عوف وهو غلام، فخطبها إلى أبيها، فقال: لا أزوِّجك حتى يكون لك مال، وكان يعِدُه فيها المواعيد المغرية. ثم انطلق المُرَقِّـش إلى ملك من الملوك ومدحه فأعطاه الملك. وأصاب عمَّه زمانٌ شديد، فأتاه رجل من بني مراد، رغَّـبه بالمال، فزوَّجَه أسماء، ورجع المُرَقِّـش، فزعم إخوته أنها ماتت، وأخذوه إلى موضع القبر المزيف، فصار يزوره.

وبينما هو ذات يوم مضطجع وقد تغطى بثوبه وابنا أخيه يلعبان، إذ اختصما في كعب (الكَعْبُ: كُلّ مَـفْـصِل للعظام) فقال أحدهما: هذا كعبي أعطانيه أبي من الكبش الذي دفنوه، وقالوا أخبروا المرقش أنه قبر أسماء. فدعا المرقش جاريته وزوجها من غُـفَيلة. وكان أجيراً لديه، فجهَّزا المطايا وانطلق بهما، فمرض في الطريق، ولجؤوا إلى كهف نجران، فسمع المرقِّش زوج الجارية يقول لها: اتركيه فقد هلك سُقماً، وهلكنا معه جوعاً، أطيعيني، وإلا فإني تاركك وذاهب. وكان المرقش قد تعلّم الكتابة مع أخيه «حرملة»، فكتب على مؤخرة الرحل:

يا صاحِـبـيَّ تـلـوَّما لا تَــعْـجَـلا إِنَّ الرَّحـيلَ رَهِـيـنُ أنْ لا تَـعْـــذُلا

فـلعَـلَّ بُـطْـأكُما يُـفَـرِّطُ سَــيَّئـاً أوْ يَـسْـبِـقُ الإِسْرَاعُ سَـيْـبـاً مُـقْـبِــلا

اااعاد الغفلي وامرأته وقالا: مات المرقش. وقلب حرملة الرحل فقرأ الأبيات، فخوَّفهما فأخبراه فقتلهما (ما ذنب المرأة ؟) فركب في طلب المرقش حتى أتى المكان، وعرف أن مرقشاً كان في الكهف، فدخل راعٍ مع غنمه، وعرف المرقش أنه راعي زوج أسماء، وأخبره الراعي بأن جاريتها تأتيه فيحلب لها عنزاً. فقال المـُرَقِّش: خذ خاتمي هذا، فألقه في اللبن، فإنها ستعرفه، فستنال به خيراً. وفعل الراعي ما طلبه المـُرَقِّش، فلما شربت أسماء، قرع الخاتم أسنانها فعرفته، فأخبرت زوجها، وعرف هذا من الراعي مكان المُرَقِّــش، فاحتملاه إلى أهلهما، فمات عند أسماء، ودُفن في أرض مراد، وقال قبل أن يموت:

سَـما نحْوي خـيالٌ من سُلـَـيْـمى فـأرّقَـــــني، وأصْـحـابـي هُـجُــودُ

فـبِـتّ أديـــرُ أمْـري كُـلَّ حــــالٍ وأذْكُــرُ أهْــلَــهـا وهُـــمُ بَـعـيـــدُ

حَـوالـيْها مَـهـاً بِـيـضُ الـتَّــراقـي وَآرامٌ وَغِــــــــزْلانٌ رُقُــــــــــودُ

نَـواعِــمُ لا تُـعـالِـجُ بُـؤْسَ عَـيـشٍ أوانِـسُ لا تــــــرُوحُ وَلا تَــرُودُ

فـمـا بـالي أفـي ويُـخـانُ عَـهْــدي ومـا بــــــالي أُصَـادُ ولا أصِـيــــدُ

تتكرر قصة الخاتم في حكاية عُروة وعفراء، ولذا نشك بالرواة، كما أن الكتابة على الرحل تتكرر في سيرة المُهَلْـهِـل بن ربيعة (الزير) الذي أسَنَّ وخرِف، وخرج بعبدين يخدمانه، فملّاه وعزما على قتله، فلما عرف ذلك كتب على الرحل هذا البيت:

مَن مُـبْـلِغُ الحـيَّيْن أن مُهَـلْـهِلاً لـلّــه دَرُّكُــــمـا ودَرُّ أبــيــكُـمـا

فلما سمعت ابنته البيت قالت: إن مهلهلاً لا يقول مثل هذه السفاسف، وإنما أراد:

مَـن مُـبْـلـِغُ الحَـيَّيْن أنَّ مُهَـلهِلاً أمْـسـى قـتــيلاً في الـفلاة مُجَنْـدلا

لـلـّــه دَرُّكُـــما ودَرُّ أبـيــكُـمـا لا يَـبْـرَحُ الـعَـبْـدان حتى يُـقْـتَــلا

فضربوا العبدين حتى أقرّا بقتله فقتلوهما.