مصر .. وزير وصخب

القاهرة: وحيد الطويلة



على صفحته في الفيسبوك كتب الشاعر عبده المصري: «إلى أبناء جيلي: من يتذكر منكم فيلم 451 فهرنهايت. فلتستعدوا، كل واحد أن يحفظ كتاباً عن ظهر قلب قبل أن تحترق الكتب والأغاني وتتم مطاردة من يقرأون الكتب في الشوارع والبيوت.». لم تكن الجملة نوعاً من التنفيس أو الغضب عن توزير وزير ثقافة جديد، بل كانت تحمل تحذيراً واضحاً سرعان ما تلته تحذيرات ومواقف من مثقفين، وكتب الشاعر فريد أبوسعدة: «الكتّاب والمبدعون، احذروا من الخلايا النائمة، فهي تتنفس الآن، وتتململ في جحورها بعد أن تلقت الإشارة، انتبهوا من هجمتهم على قلعتكم الأخيرة!!»

اختيار وزير جديد للثقافة في مصر (علاء عبد العزيز) قريب من الأخوان، يكتب في صحيفتهم، ويقف في مقالاته بضراوة ضد الثورة جديد أذهل المثقفين، والبعض نظر للأمرعلى أنه ينطوي على ابتذال للثقافة، وأن الاستمرار في العمل وفق هذا المنهج في حياتنا الثقافية انتحار نبيل، لكنه انتحار على أي حال.

هجمات كثيرة على الثقافة المصرية انطلقت من عدة جهات، وإن صبت كلها في اتجاه واحد: الأولى حين أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب الأعمال الكاملة للشاعر الكبير صلاح جاهين ضمن مسعى لإصدار الأعمال الكاملة لمن صنعوا الوجدان المصري وأثروا عقله، وعلى إثرها صعد «أحد الدعاة» على إحدى القنوات المعروفة بالدينية، ومن ثم انتقل إلى موقع اليوتيوب ليصيح أن هيئة الكتاب تدّعي أنها تعيد كتابة تاريخ مصر، وأردفها بجملته: إنه تاريخ مصر القذر! تلى ذلك موقعة الروائية والأستاذة الجامعية منى برنس، أستاذة الأدب الإنجليزي بكلية التربية جامعة السويس، والتي تم إحالتها للتحقيق، بتهمة ازدراء الأديان خلال إحدى المحاضرات والإساءة لعدد من مشايخ السلفية.

ثم حدثت المفاجأة، وهي ظهور خيرت الشاطر - الرجل الثاني في جماعة الإخوان المسلمين - على غلاف صحيفة «أخبار الأدب»، ورغم أن الصحيفة قد فقدت مصداقيتها بالثلث لدى جماعة الفن في مصر إلا أن ظهور الشاطر على غلافها كان له وقع سيء، خاصة أن الصحيفة كانت منذ وقت قريب قد وضعت صورة حسن البنا مؤسس الجماعة، وكتب رئيس التحرير مقاله واصفاً البنا بأنه «شخصية تخترق الزمان والمكان ولا تحترق أفكارها». وعَلَّقَ أحدهم على وضع أخبار الأدب: من أغلفة باولو كويلو وماركيز إلى صورة الشاطر.

على أية حال فقد جاء اختيار الوزير الجديد للثقافة في مصر وسط هذه الأجواء والتي على إثرها استقال الشاعر فريد أبوسعدة من عضوية لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، قائلاًً: «مصر - يا عزيزي- ظاهرة ثقافية، نشأت منذ اجتمعت أعراق وثقافات متباينة، لترويض النهر العظيم، وتكوين أول جماعة بشرية في التاريخ، تدرك أن قوتها في تعددها، وأن فصيلاً لا يمكن أن يتحدى النهر وحده، و يدير النهر وحده! وكما كانت مصر بالأساس رؤية ثقافية فقد تعاملت عبر آلاف السنين مع الغزاة، انتصرت وانهزمت، دون أن تفقد هذه الهوية، التي بها تنهض مثل طائر الفينيق من رمادها، وتعاود التأثير في محيطها والعالم.».

الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي وجَّه رسالة خاصة لجموع المثقفين قائلاًً: «الثقافة لا وزير لها. وعلى المبدعين جميعاً الالتزام بعملهم الأساسي وهو التمرد.».

الأمر لم يخل من مواجهة منذ اللحظات الأولى لوصول الوزير الجديد، إذ أعترض د. أحمد مجاهد رئيس هيئة الكتاب على تصريح الوزير بتغيير اسم مشروع مكتبة الأسرة إلى مكتبة الثورة، فالبعض في الوسط الثقافي يرى أن ذلك بداية هجمة على هيئة الكتاب التي تستفيد منها إحدى دور النشر الكبيرة والتي احتكرت أعمال نجيب محفوظ، وتحاول احتكار أعمال كبار الكتاب التي بدأت الهيئة في إعادة طبعها. ويعزز ذلك أن الصحيفة التي تصدر عن هذه الدار بدأت بتغيير موقفها بعد أن ساندت الثورة في البداية، لكنها الآن تحاول أن تصنع حياداً يبدو للبعض مزيَّفاً بوضع كتّاب مساندين لتيار الإسلام السياسي بجانب الكتّاب الذين وقفوا مع الثورة، كما برزت مؤخراً محاولات إلباس أعمال الروائي نجيب محفوظ صبغة دينية، و القول إنه كان يستوحي نصوصه من آيات قرآنية.

المشهد الثقافي في مصر اليوم يشبه مشهداً سينمائياً، فالمثقفون يكادون يصرخون، أو ربما يدفعهم شر البلية إلى الضحك، لكنه ضحك كالبكاء.

 موضوعات أخرى