الانتحار من المحيط إلى الخليج

وحيد الطويلة

لم يعد الانتحار ظاهرة هامشية في حياتنا نحن - العرب - خاصة في ظل ظل أزماتٍ اقتصادية خانقة، وتضييق سياسي على المشاركة في الممارسة الديموقراطية، وغياب ملامح العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في العالم العربي. يلوح الانتحار في الأفق بالنسبة إلى من يشعرون بالقلق والجزع وينشدون الخلاص أو يريدون التعبير عن رفضهم لواقعهم الأليم.

وإذا كنا نفتقد دراسات جادة حول تلك الظاهرة، فإن كتاب (شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي) يسدّ فراغـاً كبيراً في المكتبة العربية، بما يقدمه مؤلفه الدكتور ياسر ثابت من عمل يجمع بين رصانة البحث العلمي ورشاقة الأسلوب الأدبي، ولا يخلو من أوجاع السياسة والمجتمع على حد سواء.

يقدم الكتاب الصادر عن دار التنوير بالقاهرة في 206 صفحات من القطع الكبير، تفاصيل جديدة وبحثـاً رصينـاً عن الانتحار في أنحاء العالم العربي. ويتناول الباحث أبعاد تلك الظاهرة الموجعة، ويكشف بالحقائق والأرقام مدى تفشي هذا الفعل الذي يعكس أزمة مجتمعاتنا في أوضح صورها. يحلل المؤلف أولاً الأسباب النفسية والاجتماعية والسياسية التي تقف وراء انتشار الانتحار في العالم العربي، وينتقل منها إلى تحليل أبرز أسماء المنتحرين في ثقافتنا وغيرها من الثقافات الذين تنوعوا بين علماء ومفكرين وفنانين لم يجدوا بيننا متّسعـاً لهم، فقرروا الانسحاب إلى العالم الآخر طارحين وراءهم عالمنا بما فيه من مظالم وتسلُّط.

بالأرقام، نتعرف على معدلات الانتحار في البلدان العربية، من الخليج إلى المحيط، ومن سوريا إلى المغرب، ومن لبنان إلى تونس، ومن الكويت إلى السودان. ويقدم المؤلف نماذج من حالات الانتحار في تلك الدول العربية والأسباب التي تقف وراء كل حالة. ثم ينتقل الكتاب إلى التونسي محمد بو عزيزي ذلك المنتحر الذي ألهم الملايين بسحر الحياة الحقيقية فخرجوا ضد الطغيان حتى أزاحوا رؤوسه جزاءً وفاقا.

يقول المؤلف: إن من يستقرئ السير الذاتية واللحظات الأخيرة لعددٍ من مشاهير المنتحرين في العالم العربي، سيجد أن الأسباب تعددت: من الاكتئاب إلى المرض، ومن الظروف الاجتماعية إلى الصدمات الحياتية، مروراً بالهمّ الوطني العام. ومن هؤلاء الأدباء والفنانين المنتحرين نذكر الشاعر اللبناني خليل حاوي (1919 - 1982) الذي أطلق الرصاص على رأسه جهة العين اليسرى من بندقيته، بعد الحصار الإسرائيلي لبيروت. حاوي الذي بدا رافضـاً ومتمرداً في كثيرٍ من أعماله الأدبية التي أعطت إيحاءً عن معاناته، مثل «نهر الرماد»، «الناي والريح»، «بيادر الجوع»، «رسائل الحب والحياة». عاش ظروفـاً تواطأت عليه منذ الصغر، وأولها مرض والده حين كان عمره في سن الحادية عشرة، وهو ما اضطره إلى العمل في صباه حمّالاً وعاملاً في الطين ورصف الطرق. كما مَرَّ بتجربة حُبٍّ فاشلة، إذ ضاع عليه حُبّه الأول والأقوى بسبب تقاليد الضيعة. شغف - كما يروي أخوه إيليا حاوي- بفتاة «كانت وحيدة والديها، جميلة هيفاء، عالية الجبين، ووجنتاها موردتان، وعيناها سوداوان، وشعرها منسدل على كتفيها، نظم فيها شعره الريفي، وأحبها حبه الأول الذي ظل حيـاً في أعماقه، وكل حُبٍّ آخر كان طيفـاً منه وانعكاسـاً له، وقد تواعد وتلك الفتاة على الزواج وقررا أن يقترنا.. إلا أنها خُطبت في غيابه لأحد أقاربها. وعاد خليل ينظم فيها شعر اللوعة والحسرات، وهو شعر ما زلنا نحتفظ به بخط يده. بعضه نُشِر. ومعظمه لم ينشر».

غلبت على شعر حاوي مسحة من التشاؤم، فكان كثيراً ما يكتب عن الموت، إذ يقول في قصيدته «في جوف الحوت»:

«ومتى يمهلنا الجلاد والسوط المدمّى؟

فنموت

بين أيدٍ حانيات

في سكوت، في سكوت».

كما يقول في القصيدة نفسها:

«يتمطى الموت في أعضائه

عضواً فعضوا، ويموت

كل ما أعرفه أني أموت

مضغة تافهة في جوف حوت».

غير أن الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية أصاب خليل حاوي في مقتل، فهو الشاعر الذي قصر معظم شعره - إن لم يكن كله- على قضايا الانبعاث القومي والحضاري في مواجهة عقم الانحطاط وشراسة الأعداء. ومن شرفة غرفته المطلة على الجامعة الأمريكية في بيروت، عَبَّرَ حاوي عن رفضه للهزيمة. و«مع رؤيته للدبابات وهي تجتاح بيروت؛ تناول بندقية صيد لديه، وقتل فيها المحتل الإسرائيلي، لكنه قتله داخله».

اللافت للانتباه أن خليل حاوي فكر في عملية انتحار علني على رؤوس الأشهاد يعلن فيها احتجاجه الصارخ على تردّي الأوضاع العربية، ثم يلجأ إلى فعل الانتحار باعتباره الفعل الوحيد المتاح أمامه.

« فاتني طبع المجاهد

لم أعد غير شاهد

فلأمت غير شهيد

مفصحـاً عن غصة الإفصاح

في قطع الوريد».

وكان يتصور نفسه وقد حمل مسدسه وذهب به إلى منطقة الحمراء المكتظة بالناس ليقوم بانتحاره العلني، غير أنه أدرك أنه ليس في تقاليد الحياة العربية «فعل انتحار».

وبالمثل فعل الأديب الأردني تيسير السبول (23 يناير 1939 – 15 نوفمبر 1973) الذي انتحر بطلق ناري أطلقه على نفسه. كان السبول قد عاش سنواتٍ صعبة قبل ذلك، إذ أدت حرب يونيو 1967 إلى زعزعة ما استقام من حياته. وكانت الصدمة مؤلمة وشديدة عليه فبكى الهزيمة دونما انتظار للعزاء. وقد ترك لنا عملين أدبيين مهمين هما «أحزان صحراوية» وهو ديوان شعري، ثم روايته «أنت منذ اليوم» الحائزة على جائزة جريدة «النهار» البيروتية للرواية عام 1968. وفي كلا العملين يشير السبول إلى أنه مقبل على الموت. كان مفرط الحساسية، مهمومـاً بما يحدث على الساحة العربية، في حين عزا البعض حالته النفسية السيئة في أواخر أيامه إلى مشكلاتٍ عاطفية. ويقال إنه أصيب بمرض خبيث في عينيه قبل رحيله.

هكذا عاد تيسير السبول ذات يومٍ من عمله في الإذاعة الأردنية - كان يشغل وقتها منصب رئيس البرامج الثقافية- وأطلق الرصاص على نفسه وهو مستلق على فراشه، في حين كانت زوجته الأديبة والطبيبة المشهورة مي يتيم تحضر له فنجان قهوته المعتاد.

أما آخر ما كتبه السبول باتفاق النقاد معلنـاً عن انتحاره فهو:

«أنا يا صديقي

أسير مع الوهم أدري

أيمم نحو تخوم النهاية

نبيـاً غريب الملامح أمضي

إلى غير غاية

سأسقط لا بدّ، يملأ جوفي الظلام

نبيـاً قتيلاً وما فاه بعد بآية

وأنت صديقي

وأعلم.. لكن قد اختلفت بي طريقي

سأسقط لا بدّ

أسقط يملأ جوفي الظلام

غديرك، بعد

إذا ما التقينا بذات منام

تفيق الغداة وتنسى..

لكم أنت تنسى

عليك السلام؟؟».

إنها النهاية التي يعرفها تيسير السبول، إذ يقول في قصيدته «بورتريه»:

«أنا يا صديقي أسير على حافة الليل

يعرفني العتمُ أكثر مما تظن مصابيح أمي

ويعرفني الموت أكثر مما تظن الحياة.

أنا يا صديقي

أسير لأسقط في آخر السطر قافلةً من صراخ

وخاطرة خذلت كنهها الكلمات».

ينهي المؤلف كتابه بفصل عن «أسبوع الانتحار» في مصر، الذي تلى الثورة التونسية وسبق الثورة المصرية، وكيف وظّف النظام المصريّ السابق كل طاقاته لمواجهة من هدّدوا وجوده بإزهاق أرواحهم، وكيف أن ذلك النظام الذي كان قد تحلّل بفعل أخطائه وحماقاته لم يزد الطين إلا بلّة أودت به. ويمضي المؤلف متتبعـاً حالات الانتحار المستمرة بعد يناير 2011 والتي تمثل أكبر دليل على أن هذه الثورة ما زالت مستمرة، وأن أسباب اليأس لم تنضب بعد.

وفي 21 يناير، على سبيل المثال، وقعت 7 محاولات للانتحار. توفي منها أربعة أشخاص، ونجحت قوات الأمن في منع ثلاثة أمام مجلس الشعب. وتتالت حوادث الانتحار في مصر طوال الأيام التالية، بوتيرة متصاعدة وتفاصيل كثيرة يطول عنها الحديث.

ففي يوم 24 يناير الذي شهد 4 محاولات انتحار، كان الدكتور أحمد نظيف، رئيس الوزراء، آنذاك، في زيارة لموقع تدشين بدء عمليات حفر المرحلة الثانية من الخط الثالث لمترو الأنفاق، وصَرَّح وقتها بأن الانتحار ليس حلاً حقيقيـاً لمشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب المصري، مشيراً إلى أن الحوادث الأخيرة التي تمثلت في إقبال بعض الأفراد على الانتحار «ترتبط بمشكلات شخصية لهؤلاء الأفراد، وليست بالضرورة مشكلات نفسية».

وفي حوار أجراه معه برنامج «حديث المدينة» التليفزيوني، أكد وزير الداخلية آنذاك، حبيب العادلي، أن الانتحار نوع من السذاجة والاستخفاف بالنفس، فضلاً عن أنه محرم في كل الأديان، واعتبر أن أغلب حالات الانتحار، لديها أسباب نفسية، ومن يفعل ذلك لا بدّ أن يكون مريضـاً نفسيـاً؛ لأنه لا يوجد إنسان سوي يقدم على الانتحار.

غير أن ما جرى أمام مجلسَي الشعب والشورى ومجلس الوزراء وغيرها من المؤسسات الحكومية من محاولات انتحار، كان مقدمة لثورة عاتية أسقطت النظام السابق واجتاحت رموزه.

ويقول المؤلف إن النظرة المدققة لخارطة مراكز الانتحار في مصر، وعلى سبيل المثال خلال موجة محاولات الانتحار في يناير 2011، ستكشف عن تركزها في المنطقة الواقعة بين القاهرة والإسماعيلية والإسكندرية والغربية والقليوبية، وغيرها من المحافظات الساحلية والوجه البحري والعاصمة، في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات الانتحار في محافظات الصعيد.

يبقى أن هذا الكتاب هو باقة ورد يضعها مؤلفه وناشره على قبر كل من ضحّى بعمره من أجل أن نحيا وأجيالنا القادمة حياة «الكرامة الإنسانية».

 موضوعات أخرى