ليالي سان بطرسبورغ البيضاء

منذر بدر حلوم
يونيو/حزيران، شهر الفرح والأعياد وتحقُّق الأحلام، في مدينة بطرس الأكبر. فعلى مدى أكثر من شهر تكتظ بالسياح وبسكان المدينة صغاراً وكباراً، مع آلاتهم الموسيقية، ضفاف نهر النيفا العظيم الذي يعبر سان بطرسبورغ (شمال غربي روسيا)، آتياً من بحيرة «لادوجسكوية» ذات الشواطئ الغرانيت، ليصب في بحر البلطيق، بحر الكهرمان. مع ضوء السماء الذي لا يغادر المدينة، تنفتح الجسور أمام السفن العابرة في الاتجاهين، بل أمام سفينة الأحلام ذات الأشرعة الحمراء، سفينة حكاية الكاتب ألكسندر غرين. وتمتلئ شوارع المدينة وساحاتها ومسارحها ومتاحفها بشتى أشكال الفنون.



سان بطرسبورغ، ليست المدينة الروسية الوحيدة التي يمكن عيش الليالي البيضاء فيها، فهذه الظاهرة موجودة أيضاً في أرخانغلسك، ومورمانسك، وسورغوت، وتشيريبوفيتس، وفولوغدا، وبيتروزافودسك، ومدن روسية أخرى.. ولكن بطرسبورغ وحدها تحولت إلى رمز لليالي البيضاء. فإلى جانب تسميتها بعاصمة الشمال، وبالميرا الشمال، وبندقية الشمال، تسمى أيضاً «مدينة الليالي البيضاء». هذه التسمية ارتبطت باسم المدينة بفضل قصيدة ألكسندر بوشكين التي يقول فيها «أقرأ وأكتب دون فانوس»، وقصة دوستويفسكي «الليالي البيضاء»، وأعمال غيرهما من أعلام الأدب والفن عاشقي المدينة ومُخَلِّدي لياليها البيضاء في إبداعاتهم من أمثال الشاعر بلوك. ولن أذكر قصيدة باسترناك المغضوب عليه «الليالي البيضاء».

للمواعيد الرومانسية ومشاوير الليل طعم خاص في ليالي سان بطرسبورغ البيضاء. ليال بلا ظلمات. إنها أفضل فترة لزيارة هذه المدينة. ستبدأ الليالي البيضاء هذا العام (2013) في الحادي عشر من يونيو/حزيران وتنتهي في الثاني من يوليو/تموز. هذا هو التحديد الجغرافي. أما الشمس فتفهم من «الليالي البيضاء»، أنها يجب أن لا تنحدر أكثر من ست درجات تحت خط الأفق، أي أن لا تغيب عملياً، كما لو أنها تدور حول الأرض مختبئة خلف خط الأفق، مداعبة البشر، ليس الهاربين إلى النوم طبعاً، إنما محبي السمر والفرح والمرح والصداقة والفن والجمال عموماً. الليلة الأكثر بياضاً هي ليلةٌ تقع بين الثامن عشر والثالث والعشرين من يونيو/حزيران، حينها تبقى الشمس مشرقة 18 ساعة و53 دقيقة، ثم تنحدر إلى ما دون خط الأفق بقليل ليبقى ضوؤها كما لو أنها على وشك الشروق. يمكن في هذا الوقت القراءة دون إضاءة والتقاط الصور الضوئية كما في النهار.

بدأ برنامج الليالي البيضاء الثقافي هذا العام أبكر من الموعد الجغرافي. فثمة أنشطة كثيرة لا يتسع لها الوقت. برامج الأنشطة الفنية، بدأت في السادس والعشرين من مايو/أيار الماضي وتنتهي في السادس عشر من الشهر المقبل.

تم يومي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من مايو/أيار الاحتفال بالذكرى 310 لتأسيس المدينة، حيث لا يزال تمثال بطرس على حصانه يمدّ يده قائلاً: «هنا ستقوم المدينة». هو التمثال نفسه الذي كتب عنه شاعر روسيا الكبير ألكسندر بوشكين قصيدته «الفارس النحاسي». أما في العشرين من الشهر الجاري وما بعده فستجري احتفالات باختتام العام الدراسي في مدارس المدينة. هذا العيد، يسمى عيد «الأشرعة الحمراء» وهو عيد «انتظار فارس الأحلام على سفينة أشرعتها حمراء، كما في حكاية ألكسندر غرين الحاملة للاسم نفسه»، وسوف يجري سباق مراكب شراعية دولي «أشرعة الليالي البيضاء». كل عام، يشارك في عيد «الأشرعة الحمراء» بين مليونَين وثلاثة ملايين إنسان. بدأ الاحتفال بهذا العيد في العام 2005. ضمن فعالياته تجرى حفلات كثيرة، في جزيرة فاسيليفسكي وفي ساحة قصر الشتاء (الأرميتاج)، ولكن في قمة هذه الاحتفالات يتم استعراض خاص لتشكيلات ضوئية وألعاب نارية فوق نهر النيفا. وعندها يعبر قارب (غرين ذو الأشرعة الحمراء) النهر.

وقد بدأ الاحتفال بهذا المهرجان عام 1979 واستمر حتى 1986، ثم توقف، وأعيد إحياؤه في العام 2005. وهو يتم في أطول ليالي العام البيضاء. ويجري على مرحلتين: حفل كبير مع عروض مسرحية في ساحة قصر الشتاء وعند رأس جزيرة فاسيليفسكي. يبدأ الحفل، كما هو مُدَوَّن في بطاقات الدعوة، الساعة الحادية عشرة ليلاً، أما المرحلة الثانية فيتم فيها استعراض ليلي لألعاب مسرحية مذهلة فوق نهر النيفا. يبدأ هذا الفصل في الواحدة وعشرين دقيقة ليلاً، والدعوة عامة. الحدث المركزي في هذا الاستعراض هو عبور السفينة ذات الأشرعة الحمراء مجرى نهر النيفا. يتزامن مرور السفينة، مع استعراض ضوئي خاص وألعاب نارية. ويرافق ذلك موسيقى خاصة. يستمر هذا العرض المائي حوالي نصف ساعة، ويحضره بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين ونصف مليون شخص على ضفاف النيفا وجزيرة فاسيليفسكي، ويتم نقله مباشرة عبر قنوات تلفزيونية. فكرة البرنامج مصاغة لتؤكد الفكرة التالية: «روسيا بلد الإمكانات». الحالة الاحتفالية والمزاج العام في هذا المهرجان، تؤكد تلك الآمال التي تضعها المدينة على الجيل الجديد، على الشباب الموهوب والواعد.

وسوف يقام هذا العام في ليالي سان بطرسبورغ البيضاء، المهرجان الدولي الموسيقي الحادي والعشرون، تحت عنوان «نجوم الليالي البيضاء»، ومهرجان موسيقي دولي آخر في دورته الحادية والعشرين، تحت اسم «قصور سان بطرسبورغ»، ومهرجان موسيقى الجاز العالمي، والمهرجان التاسع للموسيقى الرومانسية، تحت مسمى «ليالي الموسيقى الرومانسية الييضاء»، كما سوف يقام مهرجان دولي للشطرنج تحت اسم «مهرجان شطرنج الليالي البيضاء»، وكذلك ماراثون «الليالي البيضاء» الدولي الرابع والعشرون، والمهرجان الدولي الثاني عشر للمنحوتات الرملية. وهناك أيضاً، مسابقة «الإبداع الفني والموسيقي» الدولية للأطفال، تحت عنوان «أنغام وألوان الليالي البيضاء». إضافة إلى ذلك، فجميع متاحف المدينة ومعارضها ومسارحها وقاعاتها الموسيقية تُعِدّ برامجها الخاصة لليالي سان بطرسبورغ البيضاء. ناهيك عن آلاف العازفين الهواة والراقصين الذين يمضون الليالي على أرصفة نهر النيفا يغنون ويرقصون، غير آبهين بجسور المدينة التي قد تنفتح لتمرير السفن فإذا بهم لا يستطيعون العبور بين جزيرة وأخرى في المدينة، والمدينة كلها جزر تصل بينها الجسور.

ليس لبهجة الليالي اللبيضاء أن تكتمل لولا جسور المدينة التي تنفتح لعبور السفن من بحر البلطيق وإليه. فمنظر انفتاح الجسور المذهل يضفي على الليالي البيضاء سحراً خاصاً. يجتمع ملايين السياح من مختلف أنحاء العالم لمشاهدة لحظة انفتاح الجسور وارتفاع شقَّيْها في السماء مع ما عليها من أعمدة إنارة وإشارات ضوئية، وعبور السفن المتلألئة الأضواء النهرَ في ليل مضيء ووسط احتفالات وبهجة لا يمكن لمن لم يحضرها تصوُّرها.

يقال إن بطرس الأكبر لم يأمر عند تأسيسه العاصمة الجديدة ببناء الجسور، كان يحسب الناس سينتقلون على قوارب بين جزر المدينة التي كان عددها في البدء مائة جزيرة وجزيرة، ولكن الأمر لم يكن كما أراد، فما إن مضى عشرون عاماً على تأسيس المدينة حتى بُنِي فيها عشرون جسراً، كثير منها كان قابلاً للفتح. اليوم، في بطرسبورغ أكثر من ثلاثمائة جسر، من بينها 10 جسور، بما فيها جسر «فينلاندسكي» الذي تمتد عليه سكة حديد إلى فنلندا تنفتح بانتظام، وثلاثة أخرى تُفْتَح بناء على طلب مُسبق. الاستمتاع بفتح الجسور ينسيك أن للمسألة وظيفة تمرير السفن. نهر النيفا طريق مائي مهم، يصل بين نهر الفولغا وبحر البلطيق حيث يصب في خليج فنلندا، أي هو يصل الخليج الفنلندي مع بحيرة «لادوجسكوية» مع نهر الفولغا. يستمر موسم الملاحة في هذا النهر، من نهاية إبريل/نيسان حين يتحرر النهر من الجليد، إلى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني. تنشر مواعيد فتح الجسور اليومية، لمعرفة إمكانية التحرك بالسيارات أو مشياً على الأقدام في ليل المدينة المضيء.