«هتشكوك» ..تشويق يناور الرقابة

د. رياض عصمت



ارتبط اسم المخرج الكبير الراحل ألفريد هتشكوك (1899 - 1980) بسينما الإثارة والتشويق، إلى حد أن كثيراً من الناس يخطئ بالظن أنه مخرج أفلام رعب. وهتشكوك بريطاني المولد والجنسية، رغم أنه ما لبث عام 1940 أن انتقل ليعمل ويقيم في الولايات المتحدة الأميركية. خلال حياته الحافلة بالإبداع. أخرج 67 فيلماً روائياً، أشهرها: «ربيكا»، «الحبل»، «قارب النجاة»، «المأخوذ»، «الرجل الذي عرف كثيراً»، «النافذة الخلفية»، «فضائحي»، «الدوامة»، «شمال شمال/غرب»، «سايكو» (أو «نفوس معقدة»، كما أُسمي في العالم العربي). هذا الأخير كان موضوع فيلم بعنوان «هتشكوك» الذي يعرض منذ شهور في صالات العرض. الفيلم يسلط الضوء على جوانب من شخصية مخرج كبير، أهمها علاقته بزوجته «ألمى»، التي كانت ملهمته منذ بداياته، وظلت تدعمه حتى آخر العمر. اختار مخرج الفيلم، ساشا غيرفازيل، وهو كاتب سيناريو بريطاني معروف، نجمين كبيرين لتقاسم بطولة الفيلم، هما أنتوني هوبكنز وهيلين ميرين. سيناريو الفيلم اقتبسه جون ماك لاغلين عن كتاب ألفه ستيفن ريبيللو، يلقي الضوء على جوانب مجهولة لدى عموم الجمهور عن شخصية هتشكوك.

لا يستعرض الفيلم سيرة بأكملها، بل يركز على مرحلة محددة من حياة ألفريد هتشكوك وهو في الستين من عمره، حين أراد أن يتجاوز صدمة الخيبة التجارية لفيلمه «الدوامة»، ويستعيد توهج نجاح فيلمه «شمال شمال/غرب»، فأخذ يبحث عن موضوع يضيف إلى رصيده، ويحدث مفاجأة لدى الرأي العام، فلم يجد إلا قصة حقيقية شغف بها إلى حد الهوس؛ هي قصة مريض نفسي كان متعلقاً بأمه المتوفاة، إلى درجة أنه تقمص شخصيتها، وصار يقتل كل من يشعر أنها تغويه أو يميل إليها من الفتيات اللواتي يشاء سوء حظهن أن ينزلن في فندقه الريفي الموحش، تحت عنوان «سايكو» 1960 (أو «نفوس معقدة»).



«سايكو»

على نفقته الخاصة

عندما ذهب هتشكوك مع وكيله إلى مدير شركة «بارامونت» بفكرة فيلمه الجديد، رفضها كلياً، وعرض عليه خيارات بديلة لم ترق له. بعدها قرر هتشكوك وزوجته المغامرة بكل ما يملكان لإنتاج فيلم «سايكو» على نفقتهما الخاصة بالأسود والأبيض، شريطة أن تتولى شركة «بارامونت» التوزيع مقابل نسبة عالية من الأرباح. يصور فيلم «هتشكوك» مناقشة بين المخرج العبقري وزوجته حول توزيع الأدوار، ونراه يختار النجمة جانيت لي (أدت الدور سكارلت جوهانسون) لدور البطولة، ويختار فيرا مايلز (أدت الدور جيسيكا بيل)، بينما يختار وجهاً شاباً ليؤدي شخصية «نورمان» هو أنتوني بيركنز (لعب دوره جيمس دارسي). رغم موافقة مدير شركة الإنتاج على أن ينتج هتشكوك الفيلم على حسابه، مخاطراً بمنزله وثروته في رهان صعب، إلا أن الخلاف يعود ليظهر بسبب رفض هتشكوك السماح له بمشاهدة أية لقطات من الفيلم أثناء تصويره، ورفض زوجته أن يستعين بمخرج بديل يحل محل زوجها هتشكوك حين سقط مريضاً خلال التصوير.

يظهر الفيلم أيضاً صدام هتشكوك بالعقلية الرقابية السائدة آنذاك، إذ إن مدير الرقابة السينمائية لم يجز مشهد القتل في بانيو الحمام إلا بعد صعوبة ومعاناة ومساومة. كما أن عدم ارتياح هتشكوك لتفاعل البطلة مع المشهد، جعله يتقمص هو نفسه دور القاتل ليستجر من بطلته ردود فعل فزعة حقاً، إذ كان بذلك يتخيل أنه يطعن كل الأشخاص الذين وقفوا عقبة في وجه مشروعه، من مدير الشركة، إلى مدير الرقابة، وصولاً إلى صديقه الذي شك بخيانته له مع زوجته. لكن الأروع في الفيلم هو المقطع الأخير منه؛ فلولا زوجة هتشكوك «ألمى» لما تمكن من تجاوز محنته، ولا استطاع أن يكمل فيلم «سايكو» ويقوم بالتعديلات الفنية التي أوصلته إلى ذروة النجاح، خاصة وأن العرض التجريبي الأول لم يرق لأحد، وكانت هناك اعتراضات قاسية من مدير الشركة والرقيب المتعنت.

يوقن ألفريد هتشكوك أن زوجته «ألمى» ما زالت تقف إلى جانبه سنداً، وأنها لن تتخلى عنه أو تخونه مع صديقهما كاتب السيناريو، الذي أرادها فقط أن تساعده كصديقة في كتابة نص جديد، كما أرادت «ألمى» أن يكون لها دور مستقل في الحياة بعيداً عن شهرة زوجها المدوية. وهكذا يستعيد هتشكوك ثقته بنفسه، ويكمل بدهاء إقناع الرقيب، وإعادة النظر في مونتاج فيلمه. كما تتولى «ألمى» إقناعه بمونتاج فيلم «سايكو» عبر ملاحظات غاية في الدقة، وإضافة تأثيرات موسيقية إليه بعد نقاشات حامية تصل أصداؤها إلى العاملين في الفيلم خارج استوديو التصوير.

يحرص هتشكوك على إشاعة واسعة النطاق، وهي أن فيلمه «سايكو» فيلم مرعب جداً، مما يثير فضول الجمهور ويدفعهم بحشود كبيرة إلى مشاهدته. يقف بنفسه في كواليس الصالة متلصصاً على ردود الفعل، إلى أن يصل الفيلم إلى مشهد طعن المختل عقلياً صبية مقيمة لديه وهي تحت الدوش في بانيو الاستحمام. يصدم الجمهور بالإثارة المخيفة في ذلك المشهد، وبالطريقة البارعة التي صوره بها هتشكوك مكتفياً بإظهار الدم يتدفق ممتزجاً بالماء الساخن دون مبالغة في إظهار الجراح جراء الطعنات كما في أفلام الرعب المعاصرة.

استند فيلم «هتشكوك» (2012) إلى حسن توزيع الأدوار. قدم أنتوني هوبكنز باتقان تقمصه لدور المخرج الطريف، غريب الأطوار، رغم عدم تشابه ملامحهما، إذ أنه سيطر على إلقائه ولهجته بشكل مماثل لهتشكوك الأصل، وكان مقنعاً للغاية في تصويره للمشاعر المرهفة، حتى في لحظات البرود الشديدة التي تغلف المشاعر الحارة بالجليد. أما هيلين ميرين، فها هي ذي بعد فوزها بجدارة عن دورها في فيلم «الملكة»، تقدم دوراً آخر رشحها للمنافسة على أوسكار أفضل ممثلة مساعدة. كان الشبه كبيراً لدى الممثلين الذين أسندت إليهم أدوار الفيلم والممثلين الأصليين في الفيلم القديم. لكن الميزة الإضافية جاءت عبر سيناريو محكم، ومونتاج دقيق، تحت إدارة مخرج/كاتب استطاع إحياء حياة شخصية عبقرية فذة مثل ألفريد هتشكوك بشغف وإخلاص في فيلم للذكرى.

بميزانية زهيدة حقق فيلم «سايكو» عام 1960 نجاحاً هائلاً في شباك التذاكر، ولم تقتصر شهرته على الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، بل انتشرت في العالم أجمع، وغصت الصالات في القاهرة ودمشق وبيروت بجمهور غفير تواقٍ للإثارة. كما ظلت شهرة جانيت لي، فيرا مايلز، وأنتوني بيركنز تستند إلى هذا الفيلم الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ السينما. وبالرغم من إنتاج فيلم ثانٍ من بطولة بيركنز ومايلز كاستمرار له، وفيلم آخر مختلف بالألوان للقصة ذاتها، إلا أنهما لم يرقيا للإعجاز السينمائي الذي حققه ألفريد هتشكوك.

 موضوعات أخرى