افتتاحية العدد
الدوحة في حلتها الإلكترونية

قريباً سيسعد قراء مجلة «الدوحة» بتصفحها عبر موقعها الإلكتروني، الذي عهد بإنشائه إلى مؤسسة «الوطن للطباعة

السعادة والحرية

الطاهر بنجلون

ديجا فو ولكن ،كـم مرة؟

ايزابيلا كاميرا

أسعد الساعات

ستفانو بيني

في السعادة

عبد السلام بنعبد العالي

من أجل فاصلة

عبد الفتاح كيليطو

مع نيلسون مانديلا

محمد الجلواح

ثقافة الصورة

محمد عبد المطلب

إيران أصدقاء.. أعداء ومنافقون



لم نسمع كثيراً عن العلاقة بين العرب وإيران في الاتجاه الذي يبلور فكراً عربياً يؤسس لحوار عربي إيراني خارج لغة تشخيص الصراع.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، بادر بعقد ندوة علمية صدرت مؤخراً في كتاب «العرب وإيران: مراجعة في التاريخ والسياسة» لمجموعة من الباحثين.

يحلل الكتاب انطلاقاً من تفاعل مرجعيات تاريخية سياسية حاسمة في تاريخ العلاقة الإيرانية- العربية، وانعكاساتها على طبيعة العلاقة الراهنة، وذلك من خلال الأوراق التالية: إيران والعرب.. ملاحظات عامة، العرب وإيران بين الذاكرة والتاريخ، إيران والعرب في ظل الدين والسياسة عبر التاريخ، الأوهام والحقائق في العلاقات العربية-الإيرانية، العرب وإيران: مصالح مشتركة وعلاقات غير مستقلة، إيران والمقاومة: تحولات السياسة والمجتمع، النفوذ الإيراني في العراق، العلاقات الإيرانية - السورية، المغرب العربي وإيران: تحديات التاريخ وتقلبات الجغرافيا السياسية، العلاقات المغربية- الإيرانية بين القطيعة والانفتاح عوامل التقارب وآفاق الانفتاح، العلاقات المغاربية-الإيرانية: عرض وتحليل.

في تقديمه للكتاب يشير الدكتور عزمي بشارة إلى أنه مع حالة التجزئة العربية، أصبح من المسلمات عدم وجود سياسة عربية خارجية تتفق بموجبها الدول العربية الحالية على تحديد الصديق والعدو. ويعلل بشارة غياب أطراف الحوار بالسلوك العربي تجاه المسألة المذهبية والانتماءات الطائفية التي لم تنجح الدول العربية في استثمارها على غرار الدول الأجنبية. وهذا ما يفسر ما يقره بشارة بشأن عدم قدرة العرب على استقطاب عرب خوزستان والسنة في إيران في مقابل المساعي الإيرانية لتحويل الشيعة إلى ولاء سياسي لإيران بحجة ولاية الفقيه، التي لم يكن الشيعة العرب من أتباعها في يوم من الأيام.

كما يتناول كتاب «العرب وإيران» قائمة الأزمات العربية- الإيرانية وتداعياتها على الخيارات السياسية بين الطرفين، بدءاً من ادعاء إيران ملكية البحرين، والنزاع بشأن شط العرب مع العراق، والجزر الثلاث بين الإمارات العربية وإيران. فضلاً عن ذلك ففي الفترة التي كانت الدول العربية تعتبر إسرائيل المهدد الأكبر لأمنها واستقرارها، اتخذت إيران في عهد محمد رضا شاه قرارها بالاعتراف بإسرائيل ليزيد هذا الأمر من شقة الخلاف الذي لم تبدده الثورة الإسلامية الإيرانية وهي تحول القضية الفلسطينية أداة من أدوات الشرعية، بما في ذلك تقديم الدعم لحركات المقاومة في لبنان ممثلة في حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. ذلك أن الأنظمة العربية اعتبرت الحديث الإيراني عن فلسطين ما هو إلا نوع من الحرب الإعلامية لتشويه سمعة تلك الأنظمة، خاصة عندما بدأت إيران بدعم الأقليات أو الأحزاب المعارضة في بعض الدول العربية وهنا يعود العامل المذهبي إلى سطح الأحداث.

يطلعنا الكتاب، في سياق مراحل تأزم العلاقات، بطبيعة المواقف وردود الأفعال، فمع ظهور أولى صور مفاعل نووي إيراني عام 2002 أضيف عامل آخر إلى التوتر والقلق بين العرب وإيران، تعزز هذا القلق مع الاعتقاد لدى كثير من الدول العربية أن مصالح النظام العربي تتحقق بالتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية التي تعيش حالة من العداء الحقيقي مع طهران منذ استقبال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في طهران ومنحه هو ومنظمته الاعتراف. ويبدو أن صيغة غالبية العلاقات العربية- الإيرانية الراهنة تتوافق والرغبة الأميركية في إبقاء التوتر الإيراني - العربي متفاعلاً ضماناً لبقاء الدول العربية في التحالف الأميركي، ومن أجل منح صفة الشرعية لهذا التحالف في المنطقة. بينما تولي إسرائيل المشكلة الإيرانية-العربية اهتمامها كي يستمر دورها كقاعدة عسكرية متقدمة للغرب في قلب العالم العربي والإسلامي، ومن أجل صرف النظر عن أزماتها الداخلية مع فلسطين تعمد إسرائيل إلى التهويل من خطر إيراني مرتقب.

وإذا كانت لحالة التجزئة العربية انعكاسات متباينة في طبيعة العلاقة بإيران، وما يرافق ذلك من تداعيات إقليمية تتغذى منها مصالح الغرب، فإن الوضع الداخلي الإيراني بدوره يتصف منذ بداية الثورة، وبشكل متواصل، بالتباين في السياسات والآراء السياسية الإيرانية بشأن قضايا كثيرة، وقد تصاعد ذلك بشدة في الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009. وللوقوف على سمات هذا التباين تحيلنا الدراسة على واحد من أبرز منظري «الحركة الخضراء» (تعتبر القضية الفلسطينية قضية إنسانية وليست محصورة في بعدها الإسلامي)، وهو المفكر ورجل الدين محسن كديور الذي يرى في إيران وجهتي نظر متعلقة بفلسطين: الأولى داخلية تقول بأن فلسطين ركن من أركان الثورة الخمينية، في مقابل ما يقول به حسين موسوي، والثانية خارجية ترى أن دعم فلسطين يتعارض مع مصالح إيران الخارجية، وأن الدعم وسيلة يستغلها النظام لإدامة سلطته وأيديولوجيته في الداخل والخارج.

لا شك في أن تاريخ العلاقات مع إيران يتقلب وفق المصالح والمواقف سواء تعلق بالغرب أم بالعرب، فبالعودة إلى هذا التاريخ توصف إيران الشاه ما قبل الثورة الخمينية بشرطي المنطقة الذي يرعى مصالح الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل في المنطقة. ومن وجهة نظر المدرسة الواقعية ينظر خبراء العلاقات الدولية إلى «انتهازية» إيران في إطار براغماتية سياسية لا ترى في الولايات المتحدة شيطاناً مطلقاً. وهذا ما يفسر كذلك طبيعة علاقات إيران بالدول المغاربية، إذ «الخلافات التي نشبت في فترات متعددة بين المغرب العربي وإيران كانت تنبع دائماً من طبيعة موقفها من قضايا ونزاعات المنطقة ولأسلوب مقاربتها وتعاملها مع الشأن الداخلي لدول المنطقة لا من منطق معارضة صريحة لدورها الإقليمي». كما أنها علاقات تتأثر بشكل لافت، أكان سلباً أم إيجاباً بعلاقات هذه الدول بفرنسا، بل إن العلاقة الجزائرية - الإيرانية نفسها تمثل في بعض جوانبها تحدياً وموقفاً جزائرياً موجهاً ضد فرنسا في سياق صراعهما حول ملفات خلافية متعلقة بالذاكرة التاريخية، ويدخل في هذا سعي إيران استثمار هذا الخلاف بصدد الملف النووي الإيراني. وفي المقابل يرى المتتبعون أن سبب قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية بإيران يعود إلى الموقف الإيراني من قضية النزاع بشأن الصحراء. في حين يرى بعض المراقبين، بحسب الدراسة، أن تعزيز الجزائر علاقاتها بإيران وإقحامها في نزاع الصحراء مع المغرب يهدف إلى التأثير في الموقفين الفرنسي والأميركي من هذا النزاع. أما إيران فيبدو أنها تدرس من جانبها إمكان توظيف هذا الملف في كسب بعض النقاط في ما يخص صراعها مع الغرب بشأن ملفها النووي.

تسمح المقاربات في كتاب «العرب وإيران» بتحليل التباين في مسار العلاقات العربية- الإيرانية، وتأثيرها على المستوى الاستراتيجي والاقتصادي والأمني باختلاف موازين القوى والمصالح، كما تسمح القراءة بتوقع محطات مفصلية كبيرة في التحولات الإيرانية المقبلة، فالتحولات لها جذور في إيران، وقد يجد العرب أنهم ليسوا وحدهم من يهيمون في محبة الغرب، ذلك أن الفشل الأميركي في أفغانستان، والعراق، وفي القضية الفلسطينية، والأزمات الاقتصادية.. من شأنها تحويل العدو السياسي إلى حليف في تأمين النفط مقابل مصالح متبادلة. وهذا ما يجعل المراقبين يرشحون مزيداً من الاقتراب بين إيران والغرب، في الوقت الذي بدأت الثورات الشعبية الأخيرة تفرض شكلاً جديداً من المقاربة مع المحيطين الإقليمي والدولي.


 موضوعات أخرى